جثث المهاجرين في عراء ليبيا

26 ديسمبر 2019
الصورة
مجهول الهوية في تاجوراء (محمود تركية/ فرانس برس)

لا يعاني المهاجرون العابرون من ليبيا باتجاه الحلم الأوروبي من مخاطر الطريق ومراكز الاحتجاز خلال حياتهم فحسب، بل يسقطون قتلى على الطريق في بعض المرات، وتبقى جثثهم في العراء

عثرت دوريات مشتركة من جهازي مكافحة الهجرة غير الشرعية في كلّ من طبرق والبيضاء، شرقي ليبيا، أثناء المرور على خطوط الهجرة، على خمس جثث متحللة في مكان صحراوي يبعد أكثر من 100 كيلومتر عن الحدود المصرية.

وبحسب إبراهيم الأربد، رئيس جهاز الهجرة غير الشرعية في طبرق، فإنّ الدوريات عثرت على هذه الجثامين في منطقة تقع جنوب طبرق بنحو 180 كيلومتراً وعلى بعد 15 كيلومتراً، شرقي خط البترول الآتي من حقل السرير النفطي التابع لشركة الخليج، كما يبعد المكان نحو 120 كيلومتراً عن الحدود الليبية المصرية، مرجحاً أنّها تعود لمهاجرين مصريين.

أكد الأربد أنّ الحادثة ليست الأولى من نوعها، وبالفعل، كثيراً ما عثر على جثث مهاجرين في مناطق صحراوية، بعضهم يسقط من سيارات تجار البشر ويلقى حتفه، وبعضهم يموت بسبب الجوع والعطش خلال رحلته في الصحراء، وتبدو المناطق المحيطة ببني وليد (180 كم جنوب شرق طرابلس) الأكثر تضرراً من خطوط الهجرة غير الشرعية. وبسبب بُعدها عن دوائر الصراع القائم في ليبيا وموقعها المتوسط بين الصحراء والساحل وبُعدها عن مراقبة الأجهزة الأمنية، تعتبر المدينة أهم أوكار تجميع المهاجرين غير القانونيين.



يكشف عضو جمعية السلام للإغاثة في مدينة بني وليد، هيثم بن لامة، أنّ عدد الجثث التي عثر عليها من بداية شهر يناير/كانون الثاني 2019 حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي بلغ 86 جثة مجهولة الهوية. يضيف بن لامة، أنّ جمعية السلام، وهي جمعية أهلية تطوعية، هي الجهة الوحيدة التي تهتم وتتابع هذه القضية، مؤكداً غياب كلّ الجهات الأمنية والتطوعية مثل الهلال الأحمر الليبي، فرع بني وليد. وفيما يلفت إلى إمكانيات جمعيته البسيطة والظروف الضاغطة التي تعمل فيها، يطالب الجهات الدولية والمحلية بالوقوف حيال ظاهرة الجثث المجهولة، مشيراً إلى أنّ هذه الحالة تترتب عليها مشاكل أخرى، من بينها "صعوبة التعرف إلى الجثث التي يتم العثور عليها، بالإضافة إلى صعوبة معرفة ديانة الجثة لكي يتمّ الدفن وفق الديانة". يشير أيضاً إلى احتمال وجود جثث أخرى ما زالت ملقاة في العراء. ويقول بن لامة إنّ ما يجري الإبلاغ عنه هي جثث يجدها المواطنون ملقاة في أحد الأودية بالمدينة، ومن يتواصل مع السلطات المحلية هي الجمعية لإتمام الإجراءات القانونية. وعن أماكن العثور عليها، يكشف عضو جمعية السلام، أنّ غالبيتها يعثر عليها في الطرقات البعيدة وفي بطون الأودية التي تمر بها سيارات تهريب المهاجرين، ما يرجح إمكانية أنّها تعود لمهاجرين سقطوا أثناء رحلتهم، من على متن سيارات مهربي البشر.

وليس لدى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية إلاّ العمل على أرشفة بيانات تحليل الحمض النووي لأصحاب الجثث مجهولة الهوية، ليتمكن من الرد على أيّ شخص يستفسر عن مهاجر مفقود لاحقاً، مع أنّ هذا الأمر صعب من الناحية اللوجستية من جهة غياب المختبرات اللازمة، كما أنّ من النادر أن يتقدم أحد للسؤال عن فقدان مهاجرين، خصوصاً أنّهم من بلدان أخرى وظروف سفرهم قد تكون غامضة حتى بالنسبة لأهاليهم.

لا يقتصر الأمر على بني وليد، ففي فبراير/شباط الماضي، أعلن الهلال الأحمر عن انتشال ثلاث جثث مجهولة الهوية على أطراف أوباري، جنوبي البلاد، وأربعة أخرى في إبريل/نيسان الماضي في وادي الحي بالقرب من مصراته، وسط البلاد. ويعلق عادل بوعيانة، الضابط بجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، بالقول إنّ "فرق الانتشال والفرق الأخرى تعمل بكلّ طاقتها على شاطئ البحر، حيث تتزايد جثث المهاجرين، لكنّ إمكانيات الجهاز لا تتيح له تتبع الطرقات الصحراوية"، ويذكر أنّ محيط بني وليد هو أحد أخطر محطات تهريب المهاجرين.

ويوضح بوعيانة لـ "العربي الجديد" أنّ الهلال الأحمر فتح العديد من المقابر لمجهولي الهوية: "لا يمكن للهلال ولا أيّ جهاز آخر الاحتفاظ بالجثث أكثر من مدة معينة، وكذلك لتكدس الجثث نضطر إلى فتح مقابر لهؤلاء المجهولين" فيما قالت جمعية السلام في بني وليد إنّها تقدر أنّ من دفنتهم قرابة 100 شخص خلال الأشهر الماضية، وهؤلاء وجدوا في سنوات سابقة، وليس الـ 86 الذين عثر عليهم هذا العام منهم.



ويقول بوعيانة إنّ آخر مرة دفن فيها الجهاز 11 جثة مجهولة الهوية، في سبها، بمقبرة خاصة، معترفاً بوجود عشرات الجثث الملقاة في العراء. وعن القصور الذي يعانيه الجهاز يقول بوعيانة إنّ الجهاز تكون حديثاً في عام 2014، بعدما كان مسماه جهاز الدوريات المشتركة ليكون جهازاً مستقلاً بذمة مالية مستقلة. يوضح أنّ تأسيس الجهاز جاء بناء على طلب من المنظمات الدولية، إذ إنّ ملف الهجرة ملف دولي يتجاوز ليبيا، لكنّه يؤكد أنّ الانقسام السياسي في البلاد جعل الجهاز عاجزاً عن متابعة حركات التهريب في الصحراء وفي نقاط تجميع المهاجرين المعروفة كبني وليد والشويرف وغيرها. ويلفت بوعيانة إلى أنّ المنظمات الدولية التي وعدت بدعم الجهاز لا تقدم شيئاً يذكر، فحتى المعونة الغذائية والدوائية لا تكفي لمراكز الإيواء الرسمية التي تكتظ بالمحتجزين سواء في طرابلس أو في غيرها من المدن.