جباليا والشاطئ شاهدان باقيان

15 مايو 2016
الصورة
... وتستمر النكبة (محمد الحجار)
+ الخط -

طوال 68 عاماً، عمر النكبة، جال الفلسطينيون في كلّ بقاع الأرض بحثاً عن وطنٍ مؤقت بعدما طردهم الصهاينة من أرضهم. تشتت الفلسطينيون بين الدول العربية وغيرها، لكنّ فئة منهم هجّرت إلى قطاع غزة والضفة الغربية وعاشت في المخيّمات منذ ذلك الحين. على الرغم من انتقال عدد كبير من سكان المخيّمات إلى المدن، ما زال عدد كبير هناك.

المخيمات في غزة كانت أكثر ازدحاماً من مخيمات الضفة الغربية، أبرزها مخيّما جباليا شمال القطاع والشاطئ غرب مدينة غزة. وكان مخيّم جباليا أول المخيّمات في القطاع وأكبرها على مساحة 1.4 كيلومتر مربع. أنشئ في عام 1948، واحتضن 35 ألف لاجئ يومها، بات عددهم لاحقاً 120 ألف نسمة بحسب إحصاءات المركز الفلسطيني للإحصاء لعام 2015.

في أحد أزقة المخيم، تلتقي "العربي الجديد" الحاج مصطفى مهنا (85 عاماً). هو من قرية المسمية الكبيرة، قضاء محافظة الرملة في فلسطين التاريخية. أصبح حكواتي المخيّم بعد خمس سنوات على إنشائه. عن حياته هنا، يقول: "حياة المخيّم صنعت كلّ المعجزات وأسست أجيالاً كثيرة. وفي عقيدة الكبار الفلسطينيين، لا يمكن التفريط في المخيّم إلاّ للعودة إلى فلسطين، على الرغم من أنّه يمثل أسوأ ما عاشوه في حياة اللجوء".

يشير مهنا إلى أنّ معظم المهجّرين إلى المخيّم كانوا من مناطق أسدود واللد ويافا والرملة والمجدل، والاكتظاظ السكاني الكبير فيه كان أبرز الهموم الرئيسية للاجئين. كذلك، كان أكثر المخيّمات تضرراً من الناحية الصحية. يشير إلى أنّ أطفالاً ونساء كانوا يموتون في بداية إنشاء المخيّم بسبب عدم وجود مراكز صحية، وهذا ما لم يذكره مراقبو الأمم المتحدة، لأنهم لم يسيطروا على الموقف في البداية. عندها، وفّرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) مركزاً طبياً وحيداً في المخيّم، اشتمل عيادة للأمومة والطفولة، وعيادة للأسنان، وأخرى للعيون، لكن من دون احتوائه على الأدوات الضرورية.



تابع مهنا حياته العملية في المخيّم ورفض السفر إلى الخليج للعمل مدرّساً. اعتمد على كتبه التاريخية التي حملها معه خلال التهجير، ليصبح بعدها حكواتي المخيّم. لكنّه درّس التاريخ أيضاً في مدرسة الفاخورة في جباليا منذ تأسيسها في منتصف الخمسينيات.

في تلك الفترة، كان يعتمد على كتب المؤرّخ السوري قسطنطين زريق. يُذكر أنّ زريق أوّل من أطلق مصطلح النكبة لوصف أحداث 1948، وذلك في كتابه "معنى النكبة" الذي صدر في أغسطس/ آب من ذلك العام.

أما مخيّم الشاطئ، فقد أنشئ في عام 1949، واستقبل يومها 23 ألف لاجئ من اللد ويافا وبئر السبع والقرى المجاورة، وقد بات عددهم اليوم 85 ألف لاجئ. هذا المخيّم لم يتركه محمود المدهون (83 عاماً) ولا تركه أشقاؤه، على الرغم من أنّ أفراد العائلة الباقين سكنوا في مناطق متفرقة في مدينة غزة. هو ما زال يحتفظ بمنزله الصغير ذي السقف الأسبستي بالقرب من منزله الذي بناه قبل عشرة أعوام له ولأبنائه، ليتذكّر مع الأوّل حياة اللجوء والنضال.

يرجع المدهون أصول عائلته إلى مدينة المجدل (عسقلان). يقول: "معظم القيادات الفلسطينية يفتخرون بأنّهم من المخيّمات. هنا عشنا النضال وعشنا ذكريات مؤلمة وجميلة ببساطتها. وهنا تأسست مصانع الرجال، لذلك فضلت المخيّم على كل مناطق المدن".

كانت الجماعات الصهيونية تهدف من خلال طرد الفلسطينيين إلى تجمّعات للاجئين، إلى جعلها تجمعات للفقراء والأميّين كي ينسوا حقهم في فلسطين، كما كان مخطط عصابات الإرغون خصوصاً. يضيف المدهون: "ما صعق إسرائيل أنّ أبناء المخيّمات باتوا مبدعين سواء في فلسطين أو في الشتات. عندها، بدأت تحارب المخيّمات في غزة، خصوصاً في الانتفاضة الأولى في عام 1987".

بالقرب من بيت المدهون، اعتادت الحاجة لطيفة صيام (88 عاماً) الجلوس مع جاراتها كلّ صباح، بينما يلعب حولهنّ أطفال الحيّ. هي أكبر الجدات في السوق القديم لمخيّم الشاطئ. أصلها من قرية الجورة في عسقلان. على الرغم من تقدّمها في السنّ، إلا أنّها تتذكر كلّ لحظات التهجير حتى اليوم. هذا ما جعل سكان الحيّ والمخيّم يعتمدون عليها في معرفة أيّ حدث قديم يرتبط بالمخيّم أو النكبة. تقول: "خلال فترة النكبة، حاولنا الهجرة إلى سيناء (مصر). استقبلتنا القبائل البدوية، لكن لم يرحب بنا النظام المصري في عهد الملك فاروق، بل تواطأ مع الاحتلال، ولم يحمنا في سيناء. فقُتل عدد من الفلسطينيين هناك من دون أن يحميهم أحد". تضيف: "لذلك، وجدنا في المخيّم بيتنا الآمن، من يحبّنا داخله أكثر ممن يحبّنا خارجه".

المساهمون