جان شمعون في "دار النمر": ذاكرة حرب وأناس

03 يونيو 2019
الصورة
"طيف المدينة" لجان شمعون: حرب غير منتهية (فيسبوك)
أفلام المخرج اللبناني جان شمعون (1944 – 2017) تأريخٌ للحرب الأهلية اللبنانية. جزءٌ من سينما مهتمّة بتوثيق لحظة، ومراقبة مسارات، والتقاط حيوية واقع. الحرب الأهلية اللبنانية حاضرة فيها، لبنانيًا وفلسطينيًا. عين شمعون وروحه وانفعالاته مسكونة بفلسطين وبالفلسطينيين، وبلبنان واللبنانيين. يُلغي مخرج "طيف المدينة" (2000) كلّ حدّ بين البلدين والشعبين، بتمسّكه ـ في الوقت نفسه ـ بموقف سياسي وأخلاقي وعقائديّ، يُبعده كلّيًا عن يمينٍ لبناني، ويجعله أحد أبرز وجوه اليسار العربي. موقف غير مُساوِم. التزام غير منكسرٍ. ثبات فكري وإنساني وأخلاقي حادّ وصادق وعميق.

هذه ميزات رجل ومخرج، تُميّز رحلتهما السينمائية، وتنعكس في مفرداتِ أفلامٍ مصنوعة بشغف الاختبار الأول دائمًا. شغفٌ مُقيم في شمعون حتى اللحظات الأولى من إصابته بمرض ألزهايمر، قبل أعوام قليلة على رحيله. شغفٌ يُحرّضه على النزول إلى الشارع بكاميراه كي يلتقط ويُصوِّر ويوثِّق. ترافقه ميّ المصري، زوجة ومخرجة لن تكون حماستها للكاميرا والناس والواقع أخفّ حدّة من حماسته. الحرب ودهاليزها لن تحول دون تجوالٍ في أزقّة مدمَّرة، ومتاريس تمزِّق مدينة يُحبّانها. معًا، يذهبان إلى فلسطين عبر مخيّمات أبنائها اللاجئين إلى لبنان، أو عبر عيني مي المصريّ وحدها في نابلس وغيرها.

احتفال "دار النمر" (بيروت) بسينما جان شمعون اختبارٌ إضافيّ لاستعادة ذاكرة سينمائية، يحاول صانعوها ابتكار الجديد في مقاربة بلدٍ وناسه، وتحوّلاتهما. في يونيو/ حزيران 2019، تعرض الدار أفلامًا عديدة له: "أنشودة الأحرار" (1978، 30 دقيقة)، و"بيروت جيل الحرب" (1988، 50 دقيقة)، و"أحلام مُعلّقة" (1992، 50 دقيقة)، و"طيف المدينة" (2000، 100 دقيقة)، و"أرض النساء" (2004، 58 دقيقة).

هذه نماذج تعكس شيئًا من صناعة وثائقية، تركن إلى تفاصيل اليوميّ، وترتكز على وقائع العيش في جحيم الخراب.

"أنشودة الأحرار" (4/ 6/ 2019) يخرج على السياق اللبناني ـ الفلسطيني المباشر في الأفلام اللاحقة لجان شمعون، من دون أن يغيب عنه وعي فرديّ بالمعنى الجميل للتحرّر من سطوة احتلالات مختلفة، تُطارد أفرادًا وجماعات وشعوبًا وبلدانًا. يُسافر شمعون إلى كوبا صيف 1978، للمُشاركة في "مهرجان هافانا العالمي للشبيبة والطلبة". الكاميرا بحوزته. التصوير مناسبة لمعاينة حماسة شبابية إزاء حركات تحرّرية في بعض دول العالم، المعنيّة حينها بمواجهة الاستبداد الغربيّ.

أما "طيف المدينة" (25/ 6/ 2019)، فيُشكِّل التجربة الأولى والوحيدة لجان شمعون في صناعة الروائي الطويل. تجربة غير ممتدّة إلى أفلام أخرى. أسباب ذلك معروفة، أبرزها صعوبة التمويل، وانغماس سينمائي للمخرج في الوثائقيّ. تجربته تلك تستند إلى سِيَر أفرادٍ، تبدأ من الجنوب اللبناني قبل اندلاع الحرب الأهلية، وتبلغ مرحلة ما بعد نهايتها الملتبسة والهشّة والناقصة. إسراف في التزامات ومواقف، وغرق في لعنة المدينة وتبدّلاتها، ومواجهة قاسية لحرب وسلم أهليين، وجشع يدفع مقاتلين إلى فساد وسلطة وسياسة.

الحرب هاجسه. المراهقون والشباب يُثيرون فيه رغبة سينمائية في التقاط أحلامهم وهواجسهم وانفعالاتهم ومشاغلهم وآمالهم. يُرافقهم في تجوالهم، ويسألهم عن أحوالهم، ويتفاعل مع مشاعرهم. "بيروت ـ جيل الحرب" (4/ 6/ 2019)، المُنجز بالتعاون مع مي المصري، مرايا راهنٍ. بيروت في مفترق طرق في حربها الأهلية. 3 أجيالٍ تتمثّل بأفرادٍ غارقين فيها. توثيق لمرحلة وحالات. تمامًا كـ"أرض النساء" (10/ 6/ 2019): مواجهة الاحتلال الإسرائيلي فعل أخلاقيّ ووطني. التحديات التي يفرضها الاحتلال قاسية، والمواجهة حتمية. المرأة، اللبنانية والفلسطينية، تتساوى والرجل في مقارعة العدوّ. يتوغّل جان شمعون في "أرض" النساء، تلك التي تُنجب من يُساهم في كتابة تاريخ وصناعة حاضر. يذهب معهنّ إلى مواجعهنّ وآمالهنّ. يستمع إلى حكاياتهنّ، وبعض الحكايات ذاتيّ وحميم، فالمرأة المُقاوِمة تحبّ وتتزوّج، وتُدرك أنّ الأسر قدرٌ لكن الخلاص والانتصار أقوى.

مع المصريّ أيضًا، يُنجز شمعون "أحلام مُعلّقة" (18/ 6/ 2019). لديهما مشتركات سينمائية عديدة، أبرزها اختيار أفرادٍ "متورّطين" بأحوال جماعة. همّهما منح الفرد مساحة بصرية واسعة لقولٍ وبوحٍ وتعبير. الفئة العمرية غير مهمّة أحيانًا، لكن الحرب الأهلية أساسية. 4 شخصيات تمزّقها تلك الحرب، من دون أن توهِن فيها عزيمة البقاء. الجرح كبير وعميق. هذه مُصيبة، فالحرب لعنة تستمرّ طويلاً في إثارة مَواجع. لكاميرا شمعون ـ المصريّ قدرة اختراق الذات عبر حوار صادق وعفوي وبسيط مع أفرادٍ لديهم حكايات، وأحد هواجس المُخرِجَين توثيق تلك الحكايات الفردية، فهي (الحكايات) جزءٌ من ذاكرة مطلوبٍ توثيقها.

في "دار النمر"، يُستعاد أحد فصول الذاكرة السينمائية اللبنانية، المفتوحة على فلسطين والفلسطينيين. مع أفلامٍ قليلة لجان شمعون، ستكون رحلة العودة إلى زمن الحرب الأهلية اللبنانية نوعًا من تحريض خفيّ على طرح أسئلة المُقبل من الأيام، في بلدٍ منهارٍ، فتوثيق شمعون لفصولٍ من سيرة بلد وناسه دافعٌ إلى مخاطبة الذات أمام مرايا السينما وأفعالها.