جامعة أبو الغيط والتطبيع مع الفشل

جامعة أبو الغيط والتطبيع مع الفشل

23 مارس 2016

أبو الغيط: الثورات العربية "كلام فارغ" (Getty)

+ الخط -
ما اسم الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية؟ لو طرح هذا السؤال على المواقع الاجتماعية، لما استطاع كثيرون التفوق في الجواب عليه بدقة، أو ربما لحصلنا على أجوبة طريفةٍ وغريبةٍ وساخرة. والسبب بسيط، وهو الغياب شبه الكلي للأمين العام ولجامعته التي استقالت من السياسة ومن الفعل. ومع ذلك مازالت جيش موظفيها يتلقون رواتبهم المريحة في مقرّها العام في القاهرة، والذي تحوّل إلى "ملحقةٍ" لمصالح الشؤون الاجتماعية لموظفي وزارة الخارجية المصرية، وبيت للتقاعد المريح للدبلوماسيين الرسميين، المصريين والعرب. فالخارجية المصرية هي التي ترشح الأمناء العامين، وبتزكية أكيدة من النظام القائم في القاهرة. وطوال تاريخ هذه المؤسسة، ظل هذا المنصب حكرا على وزراء خارجية مصر السابقين، "يساعدهم" موظفون عرب "محظوظون" و"مخلدون"، مثل السفير الجزائري أحمد بن حلي، النائب الدائم لثلاثة أمناء عامين، على الأقل، تعاقبوا على رئاسة "بيت العرب".
ولمن لا يعلم، جرى، أخيراً، تجديد الأمين العام لهذه الجامعة. نعم، تجديد. لأن أكبر مؤسسة عربية، وإحدى أقدم الجامعات في العالم، مازال أمناؤها العامون يجدّدون بالمبايعة والمباركة. أما عملية "الانتخاب" المفترى عليها فمجرد "شكليات"، لأن المرشح يتم التوافق عليه مسبقاً بالتشاور المسبق. فالمرشح لهذا الاسم محسوم سلفا للمصريين، وبما أن السلطة الرسمية في القاهرة هي التي تقدّم مرشحها، فهي لا تقدم سوى مرشح واحد أوحد، وعلى الباقين القبول أو الرفض، وبما أن قاموس "الانتخاب" غير موجود داخل هذه الجامعة، فإن النتيجة تكون إما بالمباركة، وهذه هي الحالات الأعم، أو الاعتراض والغضب على الطريقة العربية في انتظار أن يتدّخل من "يرطّب خاطر" الجانب المعترض، ليعم "الإجماع العربي" المفترض في مثل هذه الحالات.
وكذلك كان في آخر تجديد لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية. جرى ذلك في بداية
مارس/ آذار الجاري، لمن تهمه هذه المعلومة، عندما اجتمع من تبقوا من أعضاء داخل هذه الجامعة، ومن حضر منهم للبحث عن خلف لأمينها العام المنتهية ولايته. هل تتذكّرون اسمه؟ أو بالأحرى ليس مهماً تذكّر اسمه الآن، وإنما اسم من خلفه في المنصب. وكما العادة، تقدمت مصر، على اعتبار أنها صاحبة المقر وصاحبة الاحتكار التاريخي لهذا المنصب، بمرشحها الوحيد والأوحد، أحمد أبو الغيط، ليتولى خلافة مواطنه، نبيل العربي، وسط توافق عربي، وبعد مشاوراتٍ أخويةٍ أقنعت دولة قطر بالتراجع عن اعتراضها، والانتظام داخل الصف العربي، لمباركة الأمين العام الجديد لأكبر منتظم عربي، وإن بتسجيل تحفظها.
ولمن لا يعرف الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية فهو آخر وزير خارجية في عهد الرئيس المصري الذي أسقطته ثورة 25 يناير، إنه الدبلوماسي الذي وصف الثورات العربية بـ "الكلام الفارغ"، وهدّد فلسطينيي غزة بكسر أرجلهم، لو فكّروا في العبور نحو بلاده هرباً من جحيم القصف الإسرائيلي في أثناء الحرب على غزة عام 2009. فهو إذن الشخص المناسب في المنصب المناسب وفي التوقيت المناسب. شخص ينتمي إلى ما قبل ثورات الربيع العربي، ويساير مزاج نظام الحكم الانقلابي في مصر الذي قتل واعتقل ثوار "ميدان التحرير"، وصنف المقاومة الفلسطينية في غزة "إرهابية".
أمين عام "جديد" لجامعة الدول العربية يُشبه الحالة العربية اليوم، فاتر، بدون شخصية أو هوية، وبلا توجه ولا أفق. إنه التعبير الحي عن موت "النظام العربي الرسمي" الذي توفي منذ سنوات، منذ احتل العراق الكويت، بداية تسعينيات القرن الماضي. كانت تلك أكبر عملية "تشخيص" كشفت درجة التشرذم والنفاق العربيين، ومنذ ذلك التاريخ والحالة العربية في تدهور مستمر، حتى بلغت الوضع المأساوي الحالي الذي يصعب علاجه.
كانت جامعة الدول العربية تعبيراً عن حالة النظام الرسمي العربي، عندما كان هذا النظام مثل لوحة انطباعية جامدة تحنط حالة عدم الحركة في خطوط مستقيمة محبطة، وبألوانٍ باهتةٍ، تبعث على الملل. هي، إذن، لوحة أبعد ما تكون عن حالة الانهيار الكبير التي تمر بها المنطقة العربية اليوم، والتي مازالت لم تستقر على مشهد محدد.
فما معنى اليوم، وجود "جامعة عربية" تنتمي إلى زمن "الرومانسية غير الواقعية"، في ظل وضع عربي "سوريالي واقعي"؟ لا ينبغي انتظار الجواب من أبو الغيط وموظفي جامعته الدائمين، وإنما من قراءة سيرة الرجل.
كان الأمناء العامون السابقون يُنتقدون بعد نهاية ولاياتهم، ويلامون على الفشل عندما يعجزون عن تحقيق ما يحمله ميثاق الجامعة من شعاراتٍ ظلت حبراً على ورق، منذ أسس الإنجليز هذه الجامعة عام 1945، الآن، جيء بأمين عام فاشل، للتطبيع مع "الفشل" الذي تحول "علامة" عربية رسمية بامتياز.
أهم ما في انتخاب أبو الغيط على رأس ما تبقى من "جامعة العرب"، أنه سيريح المتتبعين من النقد والانتقاد، وكما يقول المثل المغربي الدارج "الرسالة تُقرأ من عنوان غلافها".