ثورة واقعية خيالية

24 يناير 2019
الصورة
نحن الآن في العام 2025. مضى على الثورة المصرية الأولى عقدان ونصف. وائل غنيم، الشاب الأربعيني اليوم يستعد لثورةٍ ثانية. في عشريناته، كان واحداً من القادة الإلكترونيين لهذه الثورة. وقتها، كان مديراً تنفيذياً في شركة غوغل، وكان قبل أشهر فتح صفحة باسم "خالد سعيد" جمعت قلوبا شابّة. وعند اندلاع الاشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين، بمناسبة يوم الشرطة المصري، كان قد خاض عمليات إلكترونية بمهارة شديدة، جنّد من خلالها مزيدا من الشباب. قُبض عليه لدى وصوله إلى مطار القاهرة، وجُلب، معصوب العينين، إلى السجن، حيث مكث اثني عشر يوما، لم يصمُد خلالها القامعون، فأطلقوا سراحه. ومن يومها، بعد خروجه من الاعتقال مكرّماً، أصبح وجهاً بارزاً للثورة المصرية الأولى، بطلاً من أبطال ساحة التحرير. وأصبحت وسائل التواصل من "فيسبوك" و"تويتر"، محطّ إلهام تنظيمية، يخوض الشباب بواسطتها أشجع التحرّكات. وبعيد الثورة، أخذ الجميع يمتدح هذه الوسائل الجديدة، ويقرنها بالحزب القائد، وإلى ما هنالك من صفاتٍ حميدة، انتشرت في الصحف والشاشات، والأفلام الوثائقية عن هذا المكان المدهش الذي يسمح بالتنظيم والتجمع والتحرّك والتعبير عن الموقف، من دون حزب "طليعي"، ولا نظرية ولا قيادة هرِمة.
اليوم، يعيش وائل غنيم في فلوريدا. ما زال شاباً في أواسط أربعيناته. وهو لم يفقد الأمل. سافر عدة مرات إلى مصر. والتقى أصدقاءه، وشاهد الآثار المدمّرة للثورة المضادة، بقيادة 
العسكر؛ مشاهد البؤس المترامي شغلت لياليه في شقته الفخمة في فلوريدا. وخلال هذه الرحلات إلى الوطن الأم، نسجَ علاقات مع مزيد من الأصدقاء، وتوطّدت الثقة، وتبلورت المواقف، ووضح أن شيئا في الأفق يلوح، شبيها بالثورة القديمة. ولكن هذه المرّة، مع دروس المرارة الأولى، والاستنتاجات. هنْدسَ نائل شبكةً إلكترونية لا تتزحزح، متينة، متشابكة؛ وسّع الاعتماد على الإلكتروني: "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب"، ثم "إنستغرام" و"واتساب". لكل واحد من هذه المواقع لغة و"كود" ووظيفة، وجمهور يضيق أو يتّسع حسب المهام. وقبل عام من وقوع الحادثة، أي في 2024، كانت الشبكة الإلكترونية تخدم أهداف وائل وصحبه، تضع الخطط، توقِّت التحركات والفعاليات، وتدبّج المقالات القصيرة، المكثفة، البسيطة، وتنزل الصور المعبّرة، وقد صار الشباب أكثر إتقاناً مما كانوا في محاولتهم الأولى. وتحدّدت ساعة الصفر، في اليوم نفسه الذي اندلعت فيه الثورة الأولى: 25 يناير/ كانون الثاني 2025. ومع اقتراب هذا التاريخ، عاد وائل إلى القاهرة، للمشاركة في هذا الحدث الجلَل؛ وأخذت الحماوة تدبّ في أوصال الشباب، التفاصيل سوف توزّع تباعاً عليهم حتى ساعة الصفر هذه، ومعها خرائط الانطلاق.
ولكن، قبل هذا اليوم بالذات، في الصباح الباكر تنقطع خطوط الإنترنت كلها. وائل وحده في البيت، في التجمّع السابع، يفكّر أن الأمر أكيدٌ مؤقت، وسوف تعود الخطوط حالاً. ساعة، ساعتين، ثلاث. لا يستطيع التحرّك خطوةً واحدةً من البيت. إذا خرج فإلى أين؟ ربما حضر أحدهم.. ربما تاه هو عن صحبه، أو تاهوا عنه. فينتظر.. بعد الساعات الثلاث، يفكّر بأن ثمّة مؤامرة مدبّرة ضد الثورة، ولكن كيف له أن يتأكّد؟ هو الضليع في شؤون الخطوط وامتداداتها.. ما بوسعه شيء. يبقي على هذه الحال مدة ثلاثة أيام، متسائلا، متسمِّرا، قلقاً، ومسلّما، مع كل يوم من دون إنترنت، بأن على الثورة أن تتأجل، وبأنه سوف يتشاور مع صحبه، حالما تعود الخطوط.
بقي خط الإنترنت في الواقع مقطوعاً ثلاثة أيام. ويعلم وائل بعد ذلك أنه انقطع عن العالم أجمع. وأن الخسائر الناجمة عنه مهولة، لا يمكن تصوّرها. أنواع من الخسائر المختلفة، مثل العمليات الجراحية التي تجمّدت، والطائرات التي ضاعت في السماء، والبنوك التي تيبّست، والبورصة، والسفن والمصاعد، والخدمات.. ناهيك عن الخسائر الإنسانية، إذ حُرم البشر من ذاك الأفيون اليومي المسمّى "الهاتف الذكي"، والذي أنساهم كيف يتكلمون مع بعضهم؛ فانفلتت الأعصاب، وجنّ كثيرون، ودمرت عائلات نتيجة مشاجراتٍ حادّة بين أعضائها على أتفه الأمور.. إلخ.
هل يمكن أن يحصل ذلك؟ الأرجح ممكن. وقد خضتُ التجربة شخصياً يومين، بعد العاصفة الشديدة التي أغرقت لبنان في عيوبه، ومن بين هذه العيوب، خط الإنترنت. سألتُ موظف الشركة، على الهاتف الثابت، كم هي نسبة "المصابين" مثلي من جرّاء العاصفة؟ كان جوابه: عشرة بالمئة من المشتركين. تخلّل هذا الغياب للإنترنت ثلاث ساعاتٍ انقطعت فيها الكهربتان، كهرباء "الدولة"، وبديلتها كهرباء "الاشتراك". فبقيتُ ثلاث ساعات، من دون أي شيء، سوى عشرين شمعة تضيء الكتاب. بقراءةٍ تنقصها السكينة، من شدة الغيظ: فالموظف التقني الذي ألحّ عليه بالسؤال كل ساعةٍ عن موعد قدومه لتصليح الخلَل، يبقى جوابُه هو ذاته: "من الآن وحتى 72 ساعة". أي أنه يمكن أن "يمرّ" في أية لحظة. أي انتظريه! طبعاً النقص الأساسي عندي هو الأخبار، قراءة الأخبار اليومية في المواقع الإلكترونية. وبما أنني جامدةٌ في مكاني، ممنوعٌ عليّ الخروج لشراء الصحف الورقية المتوفرة. أفتح التلفزيون على نشرة الأخبار، وقد هجرتها من زمان. والآن، أنا متعطّشة لكل نبأ، لأي خبر. وما أن أنظر إلى الشاشة، حتى 
أعود فأتذكّر سبب هذه الهجرة: إنه الوقت. ففيما لا يحتاج الخبرالواحد إلى أكثر من دقيقتين لتستوعبه، عند قراءته، يحتاج في النشرة المتلْفزة إلى ست دقائق أو سبع، خصوصاً إذا أُرفق بشريط مصوَّر، يعبّر "رمزيا" عن فحوى الخبر.. أغلق الجهاز وأعود إلى الكتاب، والغيظ.
في هذه الأثناء، لا يسَعُني حقاً التركيز على الكتاب، لأن عقلي في مكان آخر: في تذكّر حياتي، حياتنا، قبل الإنترنت. حسناً. لا أريد الذهاب بعيداً: كيف كنا نتواصل قبل الإنترنت؟ كنا قريبين من بعضنا، حياتنا مبرْمجةٌ على أساس هذا القرب، حتى ولو كنا بعيدين. والآن، الآية معكوسة: نحن بعيدون عن بعضنا، على الرغم من أننا قريبون. الانكباب على الهاتف الذكي يبرْمجنا على أساس الفصل بيننا، ينسينا مهارة التواصل مع بعضنا، منافذ التواصل وطرقه. العلاقات قبله كانت أقرب إلى الشخصية: صحيحٌ أن مناشير كانت تنزل علينا من الطائرات العدوة، بدل رسائل التهديد على "واتساب". ولكن كنتَ تجد أيضا شباباً يحملون المناشير، ويوزّعونها على البيوت والمحلات. لكل حزبٍ منشور، أي موقف وخبر وتوجه... ثم كانت الآلة الطابعة، والستْنسل، والتلغراف، وكلها أوجدت وشائج قوية، جديدة.
والشخصية التاريخية الأكبر عندي، التي انقرضت مع التكنولوجيا، هي البوسطجي: تنتظم أيامي على ظهوره في آخر الشارع، وتلويحه برسالةٍ لي، وهو سعيدٌ بسعادتي، برسائلي، الآتية من أبي، ومن أصدقائي في العالم، وقد تعارفنا عن طريق مجلة للمراهقين.. ليس في هذا حنين "رجعي". ضعْ الحنين جانباً. وتأمَّل بهشاشتنا، بعيشنا على الحافّة، بخطر التكنولوجيا على منظومات حيواتنا. وحتى العتيق الذي ينصحنا المثل بالإحتفاظ به، لأن جديدنا لا يدوم ("حفاظ عتيقك، جديدك ما بيدوم")، كيف لنا أن نحفظه؟ لا القلوب تسعه، ولا المساحات الضيقة بسكانها، أو العلاليّ المندثرة، أو المخازن المخصّصة لـ"الاستثمار".