ثورة عمر مكرم

27 فبراير 2019
الصورة
قرب مسجد عمر مكرم (غيانلويجي غوارسيا/ فرانس برس)
+ الخط -
يقبع مسجد "عمر مكرم" في قلب ميدان التحرير بوسط القاهرة، وهو يحمل اسم أحد أشهر مناضلي مصر في العصر الحديث، والذي يمكن اعتباره الزعيم الشعبي الذي لم يتكرر. إذ قاوم كل احتلال وكل استبداد، ولم يطمع في السلطة حين أتيحت له.

كان عمر مكرم (1750- 1822) نقيبا لأشراف مصر، وبدأ صيته كزعيم حين تصدى للمظالم والضرائب التي كان يفرضها على بسطاء المصريين القائدان المملوكيان "إبراهيم بك" و"مراد بك"، ثم قاد لاحقاً نضالاً شعبياً مسلحاً ضد الاحتلال الفرنسي لمصر (1798-1801)، كما قاد المقاومة الشعبية المسلحة ضد "حملة فريزر" الإنكليزية سنة 1807.
لكن الأبرز في تاريخه كان قيادته لثورة شعبية ضد الوالي العثماني خورشيد باشا، إذ أقر خلعه بقوة السلاح رافضاً المقاومة السلمية التي اعتبرها لا تصلح في مواجهة جنود مسلحين.

ووثق المؤرخ المصري الراحل مصطفى صادق الرافعي واقعة السجال بين عمر مكرم ومستشار الوالي العثماني، والذي جادله مستنكراً: "كيف تنزلون من ولاه السلطان عليكم؟ وقد قال الله (أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)؟ فأجابه عمر مكرم: "أولو الأمر هم العلماء وحملة الشريعة والسلطان العادل، وهذا رجل ظالم. حتى السلطان إذا سار في الناس بالجور فإنهم يعزلونه".

وتروي كتب التاريخ أن الثورة ضد خورشيد باشا عمت أنحاء القاهرة، وأن المحال أقفلت وتوقف عمل الأسواق، وهو ما يسمى حالياً بالعصيان المدني، ثم احتشد الآلاف فى الشوارع يهتفون ضد قرارات الوالي، وعندها بدأت المفاوضات معه للرجوع عن فرض الضرائب، فلما فشلت انتقل هتاف الجماهير إلى المطالبة بخلعه.

وعلى مدار أربعة شهور، تواصلت الثورة ضد الوالي، وكانت أبرز مطالبها تتمثل في حق الشعب في تقرير مصيره، واختيار حاكمه.



نجحت الحملة في خلع خورشيد باشا، وحينها عرضت على عمر مكرم السلطة، فرفضها.
تقرر تعيين محمد علي باشا والياً، واشترط عليه من عينوه، وعلى رأسهم عمر مكرم، "أن يسير بالعدل، ويقيم الأحكام والشرائع، ويقلع عن المظالم، وألا يفعل أمراً إلا بمشورة العلماء، وإن خالف الشروط عزلوه".

استجاب محمد علي ظاهرياً للشروط، وحين تمكن من السلطة خالفها جميعاً، وخضع له غالبية العلماء، إلا عمر مكرم الذي رفض تسلطه، فعزله الوالي الذي كان قد عينه من جميع مناصبه، ونفاه من القاهرة إلى دمياط، عقاباً له على عدم خضوعه.

ليس الغرض من رواية تاريخ عمر مكرم التسلية أو الثناء، وإنما لأنه فصل مهم من تاريخ العرب الحديث الذي يجب تدارسه، فربما نتعلم منه أو نعتبر، فلا نسقط في تكرار نفس الأحداث مجدداً.

المساهمون