ثورات عربية مستمرّة

11 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
لم يهدأ حراك الشارع العربي منذ بدأت موجته الأولى من تونس نهاية عام 2010، والتي أطاحت حكم الديكتاتور زين العابدين بن علي، وسارت بهذا البلد نحو ديموقراطية وتعدّدية سياسية تجلت في صورة رائعة قبل أيام مع الانتخابات التشريعية التي مرت في أجواء من الهدوء، الأمر الذي يعزّز هذه التجربة ويرسخها على طريق التداول السلمي للسلطة، والاحتكام إلى صناديق الانتخابات التي تعبر عن إرادة الشعب في اختيار حكامه. وانعكست هذه المسألة من خلال التصويت على مرشحي الانتخابات الرئاسية، حيث أسفر السباق عن مفاجآتٍ تعكس الخيار الواعي للناخب التونسي.
وعلى خطى تونس، تسير التجربة السودانية التي حققت، في زمن قياسي، ما لم تنجزه تجارب أخرى في المنطقة العربية. ونجح الحراك الشعبي الذي بدأ في ديسمبر/ كانون الأول الماضي في إسقاط حكم الرئيس عمر البشير الذي قاد البلاد قرابة ثلاثين عاما. وثار السودانيون ضد حصيلة ثلاثة عقود من التردّي الاقتصادي والسياسي، وتمكّنوا من الاقتراب من هدفهم الرئيسي بجدارة، ووضعوا الأرضية من أجل حكم انتقالي.
ما يجمع بين تجربتي تونس والسودان أنهما أصبحتا على المسار الديموقراطي، في وقت تحظيان بالتفاف واسع من كل الفئات الاجتماعية، وهذا ما يشكل سدّا في وجه التيار الذي قاد الثورة المضادة من مصر صيف عام 2013، حين تم إسقاط حكم الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي. وحاول هذا التيار الذي تموله وترعاه الإمارات والسعودية أن يتدخل في التوجهات التونسية والسودانية، ولكنه فشل، بفضل قوة الموقف الداخلي، وعدم وجود جيوب محلية مرتهنة فاسدة كالتي يمثلها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي وصلت مصر في عهده إلى موقف اقتصادي وسياسي صعب ينذر بانفجار كبير. وما الشرارة التي أشعلها رجل الأعمال محمد علي سوى علامة على أن هذا البلد لن يهدأ قبل أن يسترد الشارع الثورة التي بدأها في 25 يناير/ كانون الثاني 2011.
ويشكل انضمام العراق إلى الثورات العربية تأكيدا على أن هذا هو الخيار الوحيد اللائق بالعرب، في وجه مخططات إخراجهم من التاريخ، عبر نهب ثرواتهم وتحطيم مشروعهم الخاص بالتنمية البشرية، ومنه بناء الديموقراطية. ويعكس إصرار العراقيين على التظاهر، على الرغم من القمع الدموي الذي تمارسه أجهزة القتل، أنه لا رجعة ولا سكوت على استمرار التردّي الحالي الذي حول العراق من دولة نفطية رائدة، كانت تضاهي فرنسا في مستوى دخل الفرد، إلى بلد فقير معدم، يأتي في الصف خلف دولة فقيرة مثل بنغلادش. وتفيد تقارير الخبراء بأن أكبر عمليات نهبٍ تعرّض لها العراق هي خلال فترة الاحتلال الأميركي بعد العام 2003، وسيطرة أنصار إيران على المقدرات السياسية والاقتصادية، وعلى وجه الخصوص رئيس الوزراء نوري المالكي الذي حكم ولايتين (2006-2014).
وعطفا على ما مضى، نجح الحراك الجزائري في تحقيق إنجاز سياسي هام، بعد أن تمكن خلال الفترة الماضية من إسقاط غالبية رموز العهود البائدة، الأمنية والسياسية والاقتصادية، ويبقى السير نحو الانتخابات الرئاسية والتشريعية التحدّي الكبير الذي يقف في طريق الحراك الشعبي، ولكن هذا التحدّي ليس مستحيلا أمام شعبٍ تمكن حتى الآن من الوصول إلى إنجاز قسط كبير من برنامج الحراك، من دون أن يسقط في الفخ الدموي، كما هو الحال مع كل من ليبيا وسورية.
ولكن النجاحات في تونس والسودان والجزائر لا تغطي على ما يحصل في سورية وليبيا واليمن، فهذه البلدان لا تزال في الممر الصعب للحراك العربي، وتشكل الوجه الآخر من المعادلة المشرقة، ولكن الإصرار الشعبي على إنجاز التغيير يشكل علامة على أن العرب ماضون في الاتجاه الصحيح، على الرغم من الكلفة العالية، بشريا واقتصاديا.