ثلاث سنوات على حصار قطر: الدوحة تعزز أوراق قوتها

05 يونيو 2020
الصورة
نجحت قطر بمواجهة كورونا بسبب جهوزيتها (كريم جعفر/فرانس برس)
+ الخط -


تدخل الأزمة الخليجية وحصار قطر، اليوم الجمعة الخامس من يونيو/حزيران، عامها الرابع من دون أي مؤشرات في الأفق على حل قريب، على الرغم من أنه بات واضحاً فشل دول الحصار في تحقيق أهدافها بابتزاز الدوحة وإخضاعها لمطالب وشروط تقيّد حركتها ودورها الإقليمي والدولي، بل إن النظامين الحاكمين في السعودية والإمارات باتا في وضع مأزوم في ظل أوضاع سياسية واقتصادية صعبة، وغرقهما في حروب خارجية، لا سيما في اليمن وليبيا، بلا آفاق لانتصارات فيها.

في المقابل، أظهرت السنوات الثلاث الماضية، نجاح قطر في تعزيز أوراق القوة التي ساعدتها على تخطي الحصار والتمسك برؤيتها لحل الأزمة عبر حوار مباشر بين الأطراف المعنية، مع تعزيز علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وشراكتها مع تركيا، إضافة إلى تمكّنها من تحقيق اكتفاء اقتصادي داخلي، وهو ما ظهر خلال أزمة كورونا إذ استطاعت الدوحة استيعاب الأعداد الكبيرة من المصابين بسبب جهوزية منظومتها الصحية وبنيتها التحتية.

ولا تلوح في الأفق أي حلول تطوي صفحة الحصار، التي لم تعصف بكيان مجلس التعاون الخليجي فحسب، بل بعلاقات شعوب منطقة الخليج العربية بعضها ببعض، بفعل السياسات المغامرة من قبل حكومات دول الحصار، والتي تركت جروحاً وآلاماً من الصعب أن تندمل وتزول بسهولة في الشارع القطري، الذي سجل في العام الأخير، رفضه القاطع للعودة إلى سياسة "حب الخشوم" وعفا الله عما سلف، وسط دعوات بإعادة النظر في الآليات والأسس التي قام عليها مجلس التعاون الخليجي الذي احتفل في مايو/أيار الماضي بالعام الـ39 لتأسيسه.

وكان المشهد الأبرز في العام الثالث من عمر الأزمة، فشل المفاوضات القطرية السعودية، التي أوقفتها الرياض من جانب واحد ومن دون سابق إنذار، مطلع العام الحالي، بعدما انطلقت أواخر شهر ديسمبر/كانون الأول من العام 2019، على وقع انفراج مؤقت في الأزمة الخليجية، تمثل بإقامة دورة كأس الخليج العربية لكرة القدم في الدوحة، نهاية العام الماضي، وشاركت فيها منتخبات الدول الخليجية الست. لكن التصعيد السياسي والهجوم الإعلامي على قطر، ما لبث أن عاد من قبل دول الحصار، وتحديداً السعودية والإمارات، بعد أن أوقفت الرياض المفاوضات، مما دفع بنائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، للرد في تصريحات صحافية في شهر فبراير/شباط الماضي داعياً "دول الحصار إلى أن تعود لرشدها"، مشدداً على أنّ "لكل بلد حقه السيادي في اتخاذ إجراءاته".

وشهد يوم 5 مايو/أيار الماضي، تصعيداً إعلامياً من قبل دول الحصار ضد قطر، وتحديداً الذباب الالكتروني السعودي-الإماراتي، للتغطية على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي تعيشها دول الحصار، باختراع انقلاب وهمي في قطر، والترويج لمقاطع فيديو مزيفة تتحدث عن "عمليات إطلاق نار" في المدن القطرية ومن ثم إشاعة رغبة الدوحة بالانسحاب من عضوية مجلس التعاون الخليجي، وهي الإشاعة التي تم نفيها رسمياً على لسان مساعدة وزير الخارجية القطري لولوة الخاطر، مع تمسك الدوحة بشروطها التي أعلنتها منذ بداية الأزمة الخليجية، برفضها شروط دول الحصار، ودعوتها لرفع الحصار، والجلوس على طاولة المفاوضات.

ثبات الموقف القطري
يعدد أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة قطر ماجد الأنصاري، في حديث لـ"العربي الجديد"، العوامل التي أدت إلى نجاح الدبلوماسية القطرية في التصدي للأزمة الخليجية، وتقوية موقف الدوحة، والتي كان من أهمها القيادة السياسية التي كانت حاضرة بوضوح في هذه الأزمة، وتعاملت معها بشكل واعٍ ومدروس وتصرفت بعقلانية مع تطوراتها على عكس حكومات دول الحصار، إضافة إلى علاقات قطر السياسية المتوازنة والمميزة والمؤسسية مع الدول الأخرى، مشيراً إلى أن هذا بدا واضحاً في علاقات قطر مع الولايات المتحدة، إذ انتصرت العلاقة العميقة مع المؤسسات في أميركا على العلاقات الشخصية والمبنية على المصالح المادية. أما العامل الثالث، وفق الأنصاري، فتمثّل بالمواقف المبدئية للسياسة القطرية، فشراكات قطر المبنية على المبادئ والمصالح المتبادلة كانت أكثر صلابة من تحالفات دول الحصار التي تهاوت سريعاً في دول العالم.

ويضيف الأنصاري عاملاً مهماً آخر، يرتبط بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم في قطر، فهناك لُحمة وطنية حاضرة وراسخة ظهرت في الأزمة، فالتواصل مستمر بين المستويات الرسمية والشعبية في البلاد، والتضافر واضح بهدف إنجاح الدولة في هذه الأزمة، كما أن الدبلوماسية القطرية حضرت بوضوح وقوة من خلال الحراك النشط لمختلف المسؤولين، إلى المبادرات الدولية ومنها اتفاق مكافحة الإرهاب الذي وقّعته قطر مع الولايات المتحدة.

من جهته، يقول الكاتب والإعلامي جابر الحرمي، لـ"العربي الجديد"، إن المرتكزات والمواقف السياسية لدولة قطر لم تتغير منذ الحصار الجائر عليها، فهي منذ اليوم الأول كانت تدعو إلى حوار مباشر بين جميع الأطراف لتجاوز الأزمة، والتأكيد أنه لا يمكن لمثل هذه الأزمات أن تُحل إلا عبر الحوار المباشر، بينما الطرف الآخر وضع 13 شرطاً أصر على تنفيذها قبل بدء الحوار بين أطراف الأزمة.

ويضيف الحرمي أن الدوحة ظلّت ثابتة على موقفها، فرفضت المطالب الـ13 وأكدت استقلالها وسيادتها ورفض مصادرة قرارها أو أي ضغوط أو إملاءات عليها، بينما تراجعت الأطراف الأخرى ولم تستطع أن تقدّم دليلاً واحداً على مزاعمها، وحتى الدول التي استقطبتها إلى جانبها في بداية الأزمة انفضّت عنها في ما بعد وأعادت علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، بل وترسخت هذه العلاقات أكثر من السابق. ويشير إلى أن ذلك يدل على نجاح سياسة قطر التي سعت إلى شرح موقفها، فكسبت الجولة وتعاملت مع هذه القضية بجانبين، سياسي وقانوني، وكانت متزنة في خطواتها وقراراتها ما أكسبها مصداقية، بينما ظلت مواقف دول الحصار تتأرجح وغير مستقرة وتتخبّط في قراراتها، بل دخلت في أزمات مع دول وأطراف أخرى، ولم تكن لها رؤية أو إستراتيجية، غير إستراتيجية خوض معارك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإقحام مكونات المجتمعات الخليجية في الأزمة إذا تعاطفت مع قطر.

ويلفت الحرمي إلى أن قطر مستقلة في قراراتها، وهي تجاوزت الأزمة سياسياً واقتصادياً وحققت قدرات اقتصادية عالية جداً، فالحصار الذي فُرض عليها منحها فرصة وقوة للتعامل مع أزمة كورونا، فالعديد من السلع والمواد التي كانت تستوردها من الخارج أصبحت تصنعها في الداخل، ومن بينها المواد الغذائية والمواد الطبية، عبر إنشاء مصانع المستلزمات الطبية، لتأتي أزمة كورونا أخف ضرراً عليها من دول الحصار بسبب البنية التحتية القطرية وقدرتها على استيعاب الأعداد الكبيرة من المصابين في منظومتها الصحية. ويشير إلى أن قطر من أبرز الدول التي تقدّم المساعدات للدول المحتاجة، وقدّمت خلال الشهرين الأخيرين مستلزمات ومساعدات طبية لأكثر من 25 دولة، كما حققت إنجازات قانونية كانت آخرها قبل أيام قليلة، إذ حمّلت منظمة التجارة العالمية، بناء على دعوى قطرية، السلطات السعودية مسؤولية قرصنة قنوات "بي إن سبورت".


وفي السياق، يقول الكاتب والإعلامي القطري صالح غريب لـ"العربي الجديد"، إن ثبات موقف قطر السياسي من الأزمة ونجاحها في تجاوز الحصار المفروض يعود إلى أسباب كثيرة، ومنها تماسك الجبهة الداخلية ضد مخططات دول الحصار، وقدرتها على المحافظة على تصورها لحل الأزمة مع التكيّف مع ضغوط دول الحصار، فلم تتنازل عن موقفها على الرغم من الشروط الـ13 التي قلصت إلى 6 شروط، وطرحت قطر منذ البداية الحوار لحل الخلاف ولكن تلك الدول لم تستجب للوسيط الكويتي ولا لأي وساطة قدمت لحل الأزمة. ويضيف غريب أنه بعد مرور ثلاث سنوات على الحصار، انكشف الطرف الآخر أمام العالم، وفشل في إثبات أي من اتهاماته للدوحة بالإرهاب، الذي يمارسه الآن في اليمن وليبيا والصومال وغيرها.

مجلس التعاون الخليجي
تنامت خلال السنوات الأخيرة المطالبات في الشارع الخليجي، لا سيما بعد الأزمة الخليجية، بتطوير آليات مجلس التعاون الخليجي وإعادة تأسيسه ووضع تشريعات وقوانين جديدة، تمنع تحوّل الخلافات السياسية إلى أزمات، وتطوير تشريعات حقوق الإنسان بما يحفظ حقوق المواطن الخليجي، ويضمن حرية الرأي والتعبير في دول الخليج. ونفت مساعدة وزير الخارجية القطري لولوة الخاطر في تصريحات لوكالة "فرانس برس"، الأنباء التي راجت حول نيّة الدوحة مغادرة مجلس التعاون الخليجي، موضحة أنّ محاولات ثلاثة من أعضاء المجلس عزل الدوحة تجعل المنظّمة "موضع تساؤل" بالنسبة إلى البعض، مشددة على أنّ "المعلومات حول عزم قطر على مغادرة مجلس التعاون الخليجي خاطئة تماماً، ولا أساس لها". واعتبرت أنّ "شائعات كهذه تأتي بلا شك من يأس وخيبة أمل بعض الأشخاص إزاء مجلس تعاون خليجي ممزّق كان فيما مضى مصدر أمل وطموح لشعوب الدول الأعضاء الست".

وعن ذلك، يقول الأنصاري إن موقف قطر من مجلس التعاون الخليجي ظل ثابتاً، على الرغم من إدراكها أن المجلس ليس فعالاً في حل الأزمات السياسية أو تحقيق طموحات الشعب الخليجي، لكن الإيمان القطري بالحلم الخليجي وأن هناك أهمية للتعاون بين هذه الدول يبقى صامداً، وكما قال وزير الخارجية القطري في بداية هذه الأزمة "نحن باقون وإذا أرادوا هم فليخرجوا".

أما الكاتب جابر الحرمي، فيصف منظومة مجلس التعاون الخليجي بأنها مجرد هيكل بلا فاعلية، ولم تعد تحظى بمصداقية سواء شعبياً أو على المستوى الدولي أمام المنظمات والتكتلات الخارجية، ولم تستطع أن تجد حلولاً لخلافات أعضائها، بل ذهبت إلى معاقبة دولة عضو في المجلس إلى درجة التدخل العسكري، لولا وساطات دول أخرى وسيناريوهات أخرى استجدّت على المشهد حالت دون ذلك.
ويلفت الحرمي إلى التباين الكبير والتفاوت في اقتصاديات دول الخليج في الأعوام الثلاثة الأخيرة وهو ما يعطل التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، فالسعودية رفعت الضريبة المضافة إلى 15 في المائة، بينما الإمارات والبحرين فرضت الضريبة 5 في المائة، وقامت قطر والكويت وعُمان بتأجيل تطبيق ضريبة الـ5 بالمائة التي كان متفقاً عليها، وبالتالي عندما تتم العودة، إذا ما عادت هذه المنظمة وعاد التعامل الاقتصادي بين الدول، ستكون هناك إشكاليات في تطبيق قوانين السوق الخليجي المشترك أو الاتحاد الجمركي أو الرسوم الجمركية، وسيسبّب ذلك على الأقل نزوح المستثمرين في دول المجلس، كما سيجد المواطن فروقاً بسعر السلعة بين دولته والدول الأخرى.

ويؤكد الحرمي ضرورة إعادة تأسيس مجلس التعاون الخليجي وفق آليات ورؤى جديدة، معتبراً أن "هذه المنظومة لم تعد تحظى بمصداقية وثقة، ولا يوجد في وضعها الحالي ما يمنع تكرار الحصار والأزمة مع دولة أخرى، أو حتى مع قطر، وطالما قصّرت القوانين والتشريعات في إيجاد حلول للأزمات السياسية، سنظل في دوامة الخلافات، فالعلاقات التقليدية وما نسميه في الخليج سياسة "حب الخشوم"، لم تعد تجدي".

من جهته، يسرد الكاتب صالح غريب المواقف السلبية لمجلس التعاون الخليجي منذ بداية الأزمة، فلم يقدّم أي مبادرة لحل الأزمة أو تقريب وجهات النظر، ولم يقم حتى بتبيان موقفه، وظل الأمين العام السابق عبد اللطيف الزياني، صامتاً، بل وقف إلى جانب دول الحصار في مواقفها بحكم أن دولة المقر (السعودية) تسيطر على قرارات المجلس. ويضيف أن مجلس التعاون فشل في تحقيق طموحات شعوبه، ولم يقدّم للمواطن سوى تلك الاجتماعات السنوية والصورة الجماعية التي تلتقط لقادة دول المجلس في ختام اجتماعاتهم، وهو منذ تأسيسه فشل في تلبية مطالب هذه الشعوب، في جواز السفر الموحد، والعملة الخليجية الموحدة، والسكك الحديدية، وغيرها من المشاريع، لافتاً إلى أن قطر قدّمت مشروعاً لتطوير آلية عمل المجلس، وهو الأمر الذي لم يتم، وكان الطموح أن يكون أداء المجلس مختلفاً مع الأمين العام الجديد، نايف الحجرف، لكن كلمته بمناسبة 39 عاماً على تأسيس المجلس، لم تكن سوى تكريس للإرث القديم.

المساهمون