ثقافة المهرجان السينمائي

17 ابريل 2019
الصورة
جمهور المهرجانات: ثقافة وطقوس (حسين بيضون)
+ الخط -
وفرة المهرجانات السينمائية في مصر دعوة إلى مزيد من التأمّل في أحوالها، وفي أحوال بلدٍ وبيئات وصناعة فنية. مهرجانات تُقام خارج القاهرة جزءٌ من نشاط يُفترض به أن يمتلك خطة عمل متكاملة، كي تتحرّر من انفعال يؤدّي إلى بلبلة وتوقّف. الخطة تقضي بتفعيل المهرجان، هدفًا ومعنى وحيوية ميدانية، وبجعله ثابتًا ودائمًا، وبدفعه إلى تواصل مع جمهور يأتيه من المدينة نفسها، كما من مدن الجوار، وبمنحه استقلالية ذاتية وهامشًا واسعًا من حرية العمل والحركة. الانفعال يُنتِج بلبلة تفضي إلى توقّف. الانفعال يقيم مهرجانًا سينمائيًا هنا وهناك وهنالك، فـ"نحن" (السلطة) محتاجون إلى أنشطة تساهم في تأكيد جانبٍ ثقافي "لنا"، في ظلّ انهيارات شتّى تُقيم في البلد، ولا بأس بالاستعانة بمحترفين، شرط أن "نقيّد" ما يبغون فعله كسينمائيين. 

هذا كلام مُكرَّر. الدورة الـ21 لـ"مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة"، المُقامة بين 10 و16 إبريل/ نيسان 2019، تحرِّض على إعادة طرح أسئلة المهرجان السينمائي ومدن الأطراف وتوجّهات السلطة وأدواتها المتسلّطة. لمهرجان الإسماعيلية سُمعة قديمة تقول بتحوّله إلى حيّز مطلوب في صناعة الفيلمين الوثائقي والقصير. إضافة التحريك إليهما تطوّرٌ يعرفه المهرجان منذ دورات عديدة سابقة، فهو مواكب لما يحصل في صناعة السينما في العالم. تعطّله المؤقّت غير متمكّن من إسقاط هويته الثقافية، أو إلغاء حضوره السينمائي في مصر والعالم العربي والغرب. مهتمّون كثيرون يأتون إليه لأنه جاذبٌ، فهو مساحة لمُشاهدةٍ وتواصلٍ ولقاءات.

سلبيات "مهرجان الإسماعيلية" قليلة: غياب بُنى تحتية متينة وملائمة لطقوس المُشاهدة، رغم وجود صالات تحتاج إلى تأهيل. غياب جمهور سينمائي حيوي ونشيط ومتنوّع وداعم ومُرافق دائم له، بعد 21 دورة، مع أنّ أبناء المدينة الممتدّة على قناة السويس، وإنْ يبقى عددهم متواضعًا، يأتون وينتبهون ويُشاركون، ولو قليلاً. السلبيات حاصلةٌ في مهرجاني "أسوان الدولي لأفلام المرأة" و"شرم الشيخ للسينما الآسيوية"، المحتاجين إلى تخفيف وطأة التسلّط السلطوي عليهما، وإتاحة هامش واسع لهما كي يتمكّنا من الخروج من واجهة السياحة إلى الفعل الثقافي، مع أنّ الإتاحة والخروج مستحيلان. مهرجانا أسوان وشرم الشيخ يريدان نافذة سينمائية لمدينتين مصريتين مختلفتي المزاج والهوية والسلوك والحضور. فالأولى أقدم تاريخيًا وأعمق حضاريًا وثقافيًا، بينما الثانية مكتفية بالسياحيّ والرأسماليّ، المنفضّ عن كلّ نشاطٍ سينمائي، كحال الأقصر، المتخصّص بالسينما الأفريقية.

للمدن، بهويتها وجغرافيتها ومسارها التاريخي وثقافتها، دورٌ جوهريّ في تشكيل معنى المهرجان وأبعاده. الإسماعيلية غير مختلفة عن تلك المدن، لكنها متمكّنة من تثبيتِ حضورِ مهرجانٍ متخصّصٍ بأنواع سينمائية، أكثر من المهرجانات الأخرى. أسباب ذلك متعدّدة، لكن الثبات في تنظيم دورات سنوية، ومحاولة تحييده عن صراعاتٍ سلطوية، والإمعان في اختصاصه الفنيّ، مسائل مفيدة له. مهرجانات أسوان وشرم الشيخ والاقصر ناشئة منذ أعوام قليلة للغاية، وبعضها في زمن الانقلاب على "ثورة 25 يناير" (2011). هذا وحده كافٍ لتعطيل كلّ مبادرة واقعية ومنطقية لبلورة خطط عملية، ثقافيًا وفنيًا، للمهرجانات السينمائية المُقامة في تلك المدن "السياحية"، رغم أنّ المدراء الفنيين يمتلكون خبراتٍ ووعيًا معرفيًا بالسينما.

للمهرجانات السينمائية في مصر، ودول عربية أخرى تتميّز بوفرة مهرجاناتٍ في مدن الأطراف، دور ثقافي يتجاوز عرضَ فيلمٍ، أو تنظيمَ دورةٍ، أو تكريمَ سينمائيٍّ. فالسينما صناعة وتجارة أيضًا، وهذان ضروريان، وحاضران في مهرجانات دولية تُقام في مدن وعواصم أساسية في العالم. لكن مهرجانات مدن الأطراف المصرية تحتاج إلى بلورة مشروعها وأهدافها وحضورها، وتحرّرها (إنْ يكن هذا مقدورًا عليه) من تسلّط لا علاقة له بالسينما، قبل أن تنفتح على آفاق أوسع. فالحاجة إليها أساسية، وانتشارها الجغرافي مطلوب، شرط أن تتوطّد علاقاتها بالسينما، كما بالمدن وناسها وأمزجتها وثقافاتها ومسالكها.

المساهمون