ثقافة الألقاب ..
pagadesign
قليلٌ من الألقاب ما جاء على قيمة الاسم، وكثيرٌ ما أثقل اسم صاحبه بحمولاتٍ من بدع الكذب المنمّق. حتى أن مفردات اللغة العربية استُهلكت بصناعة ألقاب كثيرة، غير مفعلة، أنتجت نسيجاً اجتماعياً يعشق التفخيم، وباتت حياتنا الثقافية والأدبية تطفو على بحر من التصنيفات التي تُعطى وتمنح بغير وجه حق. والأدهى أنّ معظم أصحاب الألقاب يزاولون مهامَّ وصلاحياتٍ، تقع جلّها خارج إطار هذا اللقب.
إن كان أحدهم ملتزماً أشير إليه على أنه شيخ، وإن كان مستنيراً أُلحق به لقب الليبرالي، وإن خرج من مكتبة، أو حمل بيده كتاباً، قيل إنه أستاذ! وإن رأيت أحدهم وقد اشتعل رأسه شيباً نادوه "حاجّاً"، وهو لم يصل إلى الكعبة! إذن، بتنا أمام ثقافة ألقاب انجرّ وراء بهرجتها وأضوائها كثيرون، ولم يدركوا حجم المبالغة في تقديرهم ذواتهم، وعبء اللقب الذي يحملونه، متناسين أن حجم الشخص ومعطياته يقفان عند لقب "أبو فلان" أو أم "فلان"، لكنهم تعودوا على الكذب على أنفسهم، وانساقوا وراء الألقاب التي أخذت تسابق الاسم، بينما عمر بن الخطاب، بكل عظمته، كان ينادى بــ" يا ابن الخطاب" أو يا عمر. أما مجتمعاتنا، فلا زالت تكرّس هذه الحالة المتردّية التي جعلتنا نفخّم أنفسنا، وننساق وراء وهم الألقاب وأعبائها.
بتنا لا نقدّر حجم اللقب الذي يحمله بعضنا، ليس فقط لأنه لا يأتي على مقاسه، بل لأنه يتعثر به في غالب الأحيان. الملاحظ أن شعوباً بأكملها رسخت هذه الثقافة، ولنا في الشعب
المصري مثال على ذلك. إذ ترى أي مواطن مصري (حتى في الإعلام والأفلام والمسلسلات والحياة اليومية) يُخاطب أي شخص بلقب يا "باش مهندس"، مهما كان عمله أو صنعته!
أصبحت الألقاب ثقافة تُعطى وتمنح بغير حق؛ كيف لا وأي شخص يمكن أن يمنح نفسه اللقب، بمجرد ظهوره في فضائية، أو كتابته مقالاً في الجريدة، ليكتب اسمه متبوعاً باللقب الذي يختاره، حتى يتكرّس، ويصبح ماركة مسجلة له، ووقتها يمنح نفسه صلاحيات تميزه عن غيره. ونرى أنه بات من السهل، في أيامنا هذه، أن يكون الشاعر سياسياً ومحللاً رياضياً ومطرباً في الوقت نفسه؛ وما أسهل أن يلقّب الملتزم بفضيلة أو سماحة الشيخ، خصوصاً إذا أتقن تقصير الدشداشة وإطالة الذقن!
تبحث الألقاب في العالم المتمدن عمن يزينها، وهم من الندرة بمكان، أما عند العرب، ولا أعمّم، فقد تحول اللقب إلى ثوب فضفاضٍ ضاع فيه صاحبه، فأصبحت ترى الثوب، ولا ترى صاحبه! لذا، استمرأ اللقب لعبة الكذب والتزلف لخفة في وزنه، وأخذ يسابق الأسماء يتعلق بها، وبدل أن يكبر بصاحبه، ليتباهى به، صغر في أيامنا هذه، حدّ التلاشي!
تخلصت الدول المتقدّمة من جميع الألقاب، واكتفت بلقب واحد، هو كلمة سيّد، لتُقال للفقير والأمير، للغني والفقير، إنها تكفي لمخاطبة الإنسان مهما علا شأنه، وهو اصطلاح يبدو جيّداً ومستساغاً لحفظ كرامة الإنسان المخاطب، وفيها توحيد ومساواة. لذا، علينا الاستفادة من ثقافة الآخرين بشكلها الإيجابي، لتطوير ثقافتنا وتنمية مجتمعاتنا، ومن دون ذلك نبقى متمسكين بألقاب فارغة من مضمونها، لا تغني ولا تسمن من جوع! مع أن المجتمعات الغربية لا تنكر الألقاب، لكن حدود استخدامها ضيقة.
وعن الألقاب العلمية فحدّثْ ولا حرج، وهو اللقب الذي تمنحه المؤسسات الأكاديمية، أو المراكز البحثية المرموقة، فعندما نقول "أستاذ" أو "باحث" فهذا اعتراف من تلك المؤسسة بامتلاك حامل اللقب الشهادات والخبرات والمهارات الضرورية التي تدرب عليها، وأتقنها، وتؤهله لمزاولة عمله بالشكل الصحيح. لكن ما نشهده، في ظل الطفرة التعليمية التي يعيشها عالمنا العربي وعدد الخريجين، نرى أن الألقاب الممنوحة باتت تتعرض لحالة من التحول، وبدلاً من توظيفها عنواناً للمستوى المهني والتخصصي والعلمي والأكاديمي والكفاءة، لحامل اللقب؛ أضحت أداةً لاستعراض المباهاة والتفاخر، بعيداً عن الإنجازات، مما انعكس سلبياً على تطور المجتمعات وتآكلها وهدر طاقاتها. الأمر الذي يجعلنا نتساءل: كم من الأشخاص الذين يعيشون وهمَ اللقب، وينوؤون بحمله وعبئه؟ وكم حجم الإنجازات العلمية التي حققتها تلك الألقاب، والتي كان لها دور أساسي في جعل حياتنا أفضل؟ وكم عدد الذين قدموا للبشرية شيئاً مميزاً على صعيد الانتاج الفكري أو الأدبي أو الثقافي أو الفلسفي؟ إذا كنّا صادقين: سنجيب بالقلة القليلة، لكنهم موجودون بين ظهرانينا، هؤلاء يجب أَلا نبخسهم أشياءهم، ونقلل من مجهودهم وخبرتهم وتحصيلهم العلمي، من حقهم أن نناديهم بمسميات مهنتهم، ونضع لهم ألقاباً "علمية"، استحقوها عن جدارة، وشريطة استخدامها في أماكنها، وأن لا تستخدم في غير محلها، لكي لا يأخذ اللقب صاحبه إلى مراتب، لا يستحقها، أي كمن يكذب الكذبة ويصدقها، ووقتها يصبح الطريق الأقصر لبعضهم، في تمويه الكفاءة وتعميق القناعات الوهمية.
ما نخلص إليه في هذا المقام، هو أن ألقاباً كثيرة تُمنح، اليوم، لمن لا يستحقها، وبالتالي، إذا كنا ندعو إلى المؤسسيّة في الدولة، يتوجب علينا شطب الإرث الذي يحضّنا على الوهم، وأن نخلع القناع عن أسمائنا، بإعطائها ألقاباً أكبر منها، اللهم إلا التي تعدت وتخطت حدود القطرية إلى العالمية، بإنجازاتها المميزة، ووزنها العلمي والفكري والأدبي والفني والفلسفي، فاستحقت عن جدارة أن تزين سماءها بأوسمة الألقاب! وجلّ هؤلاء لم يسعوا إلى اللقب هدفاً، بل اللقب هو من سعى إليهم، وأتاهم على طبق من أعمالهم وإنجازاتهم ومواقفهم، فاستحقوه، وسيبقي لاصقاً بهم، حتى بعد الرحيل!