تي إم كريشنا... تحرير الراغا وطبقاتها النغمية والاجتماعية

18 اغسطس 2019
الصورة
يسعى لإعادة دور المرأة في الراغا بعد إقصائها (Getty)
تي إم كريشنا.. عبقريةٌ حيّة في رِحاب موسيقى الراغا الهندية. هو أيضاً نجمٌ متألق في بلده والعالم، علاوة على ذلك، هو مُحدّث ومجدّد مثيرٌ للجدل في مجتمع هندوسي متديّن، طبقي وهرميّ البنية، شديد المُحافظة إزاء الموروث والمُتّبع من العادات والتقاليد. في ذلك الجمع البهيّ، عبر شخصه، للفنّي والفكري والسياسي، يُقدّم كريشنا لمُتابعه المُستمع والقارئ، صورةً عصرية راقية للفنان المُثقف.
جنس الراغا الذي يُؤديه كريشنا آتٍ من ولاية تاميل، مسقط رأسه جنوبَ شبه القارة الهندية. يُعرف بالراغا الكارناتيّة؛ وهي مدرسة موسيقية صارمة تبلورت في المعبد الهندوسي والبلاط الأميري منذ بداية القرن الثامن عشر. عمادها الصوت البشري، مُصاحباً بتخت الآلات التقليدية المؤلف من الطبلة وآلة التانبورو، والكمان الغربي المُسند على الرُكبة والمدوزن على المقام.
على الرغم من ارتكاز الموسيقى الكارناتيّة على مؤلّفات مُعدّة مُسبقاً ومتوارثة بوساطة التلقين بالمشافهة، إلا أن ذلك لم يمنع مؤدّيها من أن يُطلقوا لأصواتهم العنان، لترسم الألحان وتشكّلها بأصناف مُطربة وبديعة من الزخرفة الحرّة. تلك خاصيّة مُميِّزة للراغا الهندية تُعرف بـ "الخيال"، تعود بالأثر إلى أسلوب الارتجال العربي والفارسي قبل وإبّان حكم خاقانات المغول المسلمين للهند ووسط آسيا.
كسواها من الفنون السمعية الشرقية، لا تعتمد الراغا الكارناتيّة الأبعاد المطلقة، وإنما النسبية. "السوارا"، وهو المُصطلح الرديف للعلامة أو النوتة الموسيقية، ليست هي العتبةُ المُستقرّة، وإنما المجال القِلق لما حولها. لا تُغنّى السوارا ثابتةّ، وإنما مُتحلّقة في المدار الصوتي المجاور لكل نوتة. بيد أنّ لا وجود لها بمعزل عن العلامة الثابتة والمستقرة. السوارا بذلك، العتبة الموسيقية واللاعتبة في آن.
الانسيابية النغمية تجعل من السوارا تجلّياً جمالياً لفلسفة شرقية ترى وحدةً وتكاملاً بين المعنى والمجاز، الفضاء والكتلة وبين الصوت والصمت؛ فتزول الحدود الفاصلة بين المنطوق والمُغنّى. يجوْل تي إم كريشنا بصوته بين العتبات الموسيقية من دون أن يستقر على أيٍّ منها. يسبح في المدارات من دون أن يحط على أيّ من سطوح الكواكب. يغني كريشنا كأنه يتكلّم ويتكلم كأنما الكلام غناء.
من وحي تجربة روحية وفكرية كتلك، طوّر تي إم كريشنا، بحساسية المُثقّف، ومن خلال جماليات الموسيقى الكارناتيّة، مقاربةً فنيّة إزاء اللغة، تجريدية وعابرة بجوهرها للنص. فبينما حافظت مواضيع مؤلفات الراغا على طابعها الديني، يُوازي كريشنا أدائياً بين جماليّة اللغة وقدسية المحتوى، عبر إبراز مخارج الحروف تشكيلياً، سواءً بمكامن الخفّة والشدّة لديها أو بمرابط المدّ والقبض عليها.
الراغا، ومُقابلها بالعربية "مقام"، بلونيها الهندوستاني الشمالي والكارناتي الجنوبي؛ هي شكلٌ فني مُتّسق وقالب موسيقي مُحكم، أشبه ببناء من طبقات، سواءً من حيث بنية المؤلف الواحد، أي الراغا الواحدة، أو لجهة شكل الجلسة، من حيث ترتيب المؤلفات. التزم الموسيقيون السابقون، وتلامذتهم المعاصرون من بعدهم، بالأنساق المتَعارفة من حيث الشكل والبنية والترتيب عند إحيائهم للجلسات.
اليوم يسعى تي إم كريشنا، بعزيمة المُثقف، إلى تحريك تلك البُنى التقليدية بهدف تحريرها من الثابت المتوارث والطقسي المُقدّس. تراه مثلاً يأخذ "الڤرنم"، وهو مؤلف صغير تبدأ به جلسة الراغا بقصد تحمية الحبال الصوتية؛ ليجعل منه مقطوعة مركزية ذات عمق وجداني وطبيعة مينيمالية ساحرة. يُخرج كريشنا "الفرنم" إلى الضوء مُبيّناً جوهراً فنياً دفيناً فيه، ظل في ظل التقاليد غائراً وغائباً.
مسعى تجديدي آخر لفنان يعمل من داخل البيت الكارناتي على فتح أبوابه، حين يُقيل "التوكرا" وهي خاتمة خفيفة تُلطف جلسة الراغا الطويلة التي تمر بمراحل شديدة السخونة، تبدأ بالراغام، فالتانام، ثم البالافي. للتوكرا في الترتيب التقليدي لسير جلسة الراغا وظيفة شبيهة بطبق الحلوى آخر وجبة الطعام. بإزالتها يُزيل كريشنا عن الراغا سمة الترفيه مُؤكداً نقاء التجربة الجمالية.
لا تكتمل صورة الفنان المُثقف باقتصار دوره وإسهامه على الفني والجمالي، فليس الفن و الأدب أو الموسيقى، مادةً وممارسة، بالنسبة له، سوى انعكاسٍ لصورة المُجتمع الذي يُنتجه وتعبيرٍ عن تناقضاته وتفاعلاته. لذا، فإن مجهود كريشنا في زعزعة البنى الموسيقية الثابتة، ما هو في الصميم وبالضرورة سوى مُقدمة لنقض البنى الاجتماعية، تلك التي تحول دون تحرّر الراغا وانفتاحها.
يُلمّح كريشنا إلى أن شكل الراغا من حيث البنية والتراتبية الصارمة للمؤلفات الموسيقية وأدوارها ما هو إلا انعكاسٌ لشكل المجتمع الهندوسي ذاته، الذي كان ولا يزال يعتمد نظام الطبقات. ذلك على الرغم من كون الهند أكبر ديمقراطية من حيث عدد السكان وصاحبة الاقتصاد السادس من بين الأقوى في العالم. وعليه، يصبح تحرير الراغا مدخلاً إلى تحرير الهند من ُظلمها الاجتماعي.
بحسب التقاليد الهندوسية، فإن الراغا، فنّاً وممارسة، هي امتيازٌ خاص لطبقة البراهمن، وهم أصحاب الحظوة الدينية وأنسباؤهم. سُمح في الماضي للراقصات من خارج طبقة البراهمن، وقد أطلق عليهنّ الديفاداسي، بالانضمام إلى جماعة المُشتغلين بالراغا بجانب العازفين، ليشكلوا معاً هوامش موازية. بينما استمرّت رتبة المغني حكراً على البراهمن؛ كونهم على قمة الهرم الاجتماعي.
مع صعود التيار المناهض للراقصات مطلع القرن التاسع عشر، بأثر نفوذِ كلٍ من النبلاء والخاقان وبعثات التبشير المسيحية الفاعلة، تحت جناح التاج البريطاني، أُقصيت نساء الديفاداسي عن خدمة المعابد، لينتهي بهنّ الأمر بائعات للهوى في سبيل العيش. الأمر الذي جعل الراغا، أو الموسيقى الكلاسيكية كما يطيب للهنود تسميتها، إعلاءً من منزلتها، مجالاً ذكورياً وحصرياً للبراهمن.
في هند القرن الحادي والعشرين، وفي ظل حكومة من قوى اليمين الشعبوي والقوميين، مدعومةٌ من أوساط المتديّنين الهندوس وطبقات المجتمع العليا، يُجاهد تي إم كريشنا، وهو سليلُ البراهمن وابن مؤسسة الراغا التقليدية، في تحدي المشهد الراهن. فنياً، ببث روحٍ كارناتيّة مُنفتحة. وسياسياً، بإصراره على دور أكبر للمرأة في الراغا، وحضور أوسع لفنون الطبقات الاجتماعية الدنيا.
بطاقة بريدية لكشمير
بتاريخ 7 أغسطس/ آب الحالي، وفي استجابة رمزية لإلغاء حكومة نوراندو مودي الأحادي لاتفاقية الحكم الذاتي في جامو وكشمير، نشر تي إم كريشنا مقطع فيديو تُسمع من خلاله آثار قطع خطوط الهاتف والإنترنت عن الإقليم من قبل السلطات الهندية، فيما هو يُغنّي مطلع راغا ألبانّا هندوستانية، ثم يتلو قصيدة مصوّرة بالفيديو للشاعر الكشميري آغا شهيد علي بعنوان "بطاقة بريدية لكشمير".

دلالات