تيّار المحاصصة ومستقبل لبنان

07 ابريل 2020
الصورة
عندما انتفض اللبنانيون في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وخرجوا إلى الشوارع والساحات، معترضين على فرض مبلغ ستة دولارات على استخدام تطبيق "واتساب"، لم تكن خطوتهم وانتفاضتهم سوى تعبير عن حالة الرفض للفساد والهدر والسرقة والسياسات التي اتُبعت، وأوصلت لبنان إلى الوقوع تحت عجز مالي تخطّى عتبة تسعين مليار دولار، والتي كان أساس أساسها، ولا يزال، نظام المحسوبية والزبائنية والمحاصصة المستند إلى نظام طائفي، عرّف نفسه أنّه نظام ديمقراطي توافقي.
وعندما حقّقت تلك الانتفاضة بعضاً من أهدافها بإسقاط حكومة العهد الأولى، برئاسة سعد الحريري، وفرض تشكيل حكومة جديدة تحت عنوان الاستقلالية والحياد والكفاءة، استبشر الناس خيراً، وأعطوا حكومة حسّان دياب فرصة لتثبت جدّيتها وجدواها في إنقاذ الوضع في لبنان، وخصوصاً أنّها أطلقت على نفسها اسم "حكومة مواجهة التحدّيات"، وعلى أمل أنّ هذه الحكومة ستكون خارج أسوار النظام المعمول به، وأنّ أداءها سيكون بعيداً عن كل المنطق الذي كان سائداً، وهوى بلبنان إلى قعر العجز المالي، غير أنّ الأيام الأخيرة، والملفات التي طُرحت على طاولة الحكومة، أظهرت نتائج عكسية للمرجوّ منها، وأثبتت أن تيار المحاصصة والمحسوبية ما زال حاضراً وقوياً، بل وأنتج، جرّاء نهجه وسياسته، ما يشبه العنصرية البغيضة التي ظنّ كثيرون أنّ انتفاضة 17 تشرين تخطّتها.
وتمثّل أول هذه الملفات بمقاربة الحكومة ملف اللبنانيين المنتشرين في العالم، والذي طُرحت إعادتهم إلى لبنان في ظل انتشار وباء كورونا، والإجراءات التي اتخذتها معظم الدول، ومنها لبنان. كاد هذا الملف أن يفجّر الحكومة من داخلها، إذ رفض قسم من الوزراء إعادة المنتشرين تحت أي عنوان، ومهما كانت الأسباب، وعلى خلفية سياسية طائفية، وبذريعة أنّهم قد ينقلون "الفيروس" إلى لبنان، علماً أنّ عدد المصابين بكورونا، والمعلن عنهم رسمياً في لبنان حتى تاريخ بحث هذا الملف وإقراره فاق الأربعمئة مصاب. وفي مقابل رفض هؤلاء الوزراء، هدّد رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، بسحب وزراء حركة أمل (الحزب الذي يرأسه) من الحكومة، إذا لم تتخذ هذه الحكومة قراراً بإعادة اللبنانيين المنتشرين، وكان ذلك بمثابة أول اعتراف رسمي بأنّ هذه الحكومة هي حكومة محاصصة بين القوى السياسية، وبعكس كل الذي قيل عن استقلاليتها وحياديتها. وهنا تأكّد من جديد أنّ المحاصصة على المقاعد الحكومية كانت هي المتحكّم الأساسي بتشكيلها، وتالياً بخياراتها وسياستها.
ثم كان الملف الآخر المتصل بالتعيينات في المناصب المالية والاقتصادية (نواب حاكم مصرف لبنان، هيئة الرقابة على المصارف.. إلخ..)، وقد دبّ الخلاف أيضاً بين أركان الحكومة، وتمّ 
اكتشاف إقرار جديد بمنطق المحاصصة الذي تحكّم بها، فأعلن هذه المرّة رئيس تيار المردة، سليمان فرنجية، أنه سيسحب وزراءه من الحكومة إذا لم يُعطَ حصّة من التعيينات التي اتهم رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، بمحاولة الاستئثار بها. وهنا ظهر أن تيار المحاصصة حاضر بقوة، إذ إنّ باسيل حاول الهيمنة على كل التعيينات، فكشف حجم المحاصصة القائمة، وحجم الاستئثار الذي يحاول فرضه. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى بيان رؤساء الحكومات السابقين (سعد الحريري، نجيب ميقاتي، تمام سلام، فؤاد السنيورة)، الذي رفض التعيينات في ظل الهيمنة، وفي ظل محاولات الاستئثار بها، بعيداً عن منطقي الكفاءة والتكافؤ.
كما جاء ملف التعيينات القضائية، وكشف أيضاً التدخّل السافر بها من القوى السياسية المهيمنة على قرار الحكومة، والتي حاولت فرض تعييناتٍ قضائيةٍ تلبّي تطلعاتها وأهدافها بالسلطة. وكل هذه الملفات التي اصطدمت ببعضها، وبمطلب كل طرفٍ على حساب طلب الطرف الآخر، دفعت رئيس الحكومة، حسّان دياب، إلى سحب أغلب هذه الملفات من التداول، ومن جدول اجتماعات الحكومة. وبالتالي، أظهر الحكومة عاجزة عن فعل شيء، أو طرح الحلول للأزمات المتوالدة بفعل الضغط الاقتصادي من ناحية، وانتشار كورونا وتفشّيه من ناحية ثانية. وفي الوقت عينه، أظهر أن تيّار المحاصصة الذي تنتمي إليه كل القوى السياسية تقريباً ما زال قويّاً ومتحكماً بكل مشهد البلد، والذي ما زال يدير الأمور بالمنطق ذاته الذي ساد عقودا، من دون اعتبار لا للوضع الاقتصادي والأزمة الحادّة، ولا لوباء كورونا الذي يهدّد بما هو أسوأ.
ما ينتظر لبنان في مستقبل الأيام مع هذا التيّار الذي أوصل البلد إلى ما وصلت إليه، والذي ما زال مصرّاً على انتهاج السياسة ذاتها، ثورة حقيقية تطيح كل شيء، أو فوضى أهلية تخلط الأمور من جديد بما ينتج واقعاً ليس بالضرورة أن يكون أفضل من القائم، ولكن ما يؤخّر اشتعال بركان هذه الثورة من جديد حالة الخوف والقلق من جائحة كورونا التي جاءت لتيّار المحاصصة بمثابة طوق النجاة ولو إلى حين.