تيكن جاه فاكولي: موسيقى سياسية للزمن الأفريقي

27 اغسطس 2016
الصورة
(من حفل "قرطاج"، تصوير: أمين الأندلسي)
+ الخط -

في فيلمه الوثائقي "حدث ذات مرّة في الكوت ديفوار" (2005)، استخدم المخرج الفرنسي جوليان سُيودو أغاني الفنّان الإيفواري تيكن جاه فاكولي (1968)، في ما يشبه التعليق الفوري والتوضيحي على ما يسرده من تاريخ البلد من تسعينيات القرن الماضي إلى الحرب الأهلية التي هزّته منتصف العقد الماضي. يشير هذا الاختيار إلى ما يختزنه منجز فاكولي الفني من قدرة على مسح للتاريخ الذي يعايشه.

في سهرة الثلاثاء 16 آب/ أغسطس الماضي، حضر فنان الريغي الإيفواري على المسرح الأثري لـ"مهرجان قرطاج الدولي" في تونس، حيث قدّم حفلاً يتقاطع هو الآخر مع مجموعة الأغاني التي اختارها سُيودو، فأغانيه، التي تنطلق من أحداث وطنية تبدو مُغرقة في محلّيتها، هي في الوقت نفسه أغان تتحدّث عن كل البلاد التي تشترك مع الكوت ديفوار في نفس المصير والوضعيات، ومنها تونس، وهو ما أشار إليه فاكولي بشكل مباشر في حديثه إلى الجمهور أو من خلال استبدال بعض كلمات أغانيه، كما في "الجميع يريد دخول الجنة" و"لقد نسوا" و"أفريكا ريزيتانس".

ليس من الصعب إيجاد صِلات بين الكوت ديفوار وتونس، من الوضع التاريخي المشترك (الاستعمار الفرنسي وحرصه على تأسيس جمهورية بطريركية مع الاستقلال)، إلى واقع اليوم الذي تتحكّم فيه الأيادي الخارجية من الدول الاستعمارية السابقة إلى المؤسّسات المالية الدولية، وهي جميعها مواضيع مطروقة في أعمال فاكولي.

أما الصلة التي تسبق كل ذلك فهي أنهما بلدان أفريقيان. وفي أغنية فاكولي، يبدو الحديث عن أفريقيا محورياً، والذي كثيراً ما يقرنه بدعوة إلى الوحدة. دعوة بات يعتبرها البعض شعاراً مكرّراً، غير أن فاكولي لا يزال يصرّ على جعلها ثيمة أساسية في أغانيه، خصوصاً أن بلاده (كنموذج لمعظم بلاد القارة)، باتت تخترقها التقسيمات الدينية والعرقية، ويظل فيها السلم الاجتماعي هشّاً.

لا تبدو النزعة المباشراتية في أغنية فاكولي مسيئة للبعد الفنّي، فهي مذوّبة في بساطة أنغامه ومرحها وإيقاعيّتها، كما تستفيد من تراث فن الريغي والذي حاول شحن حفلته بخلفياته حين قدّم أغاني لمواطنه ألفا بلوندي أو الجاماييكي بوب مارلي، مع توظيف رموز هذا التراث في السينوغرافيا التي اعتمدها.

يبدو صاحب ألبوم "فرانس - أفريك" في نصوص أغانيه باحثاً عن أسهل العبارات لقول ما يريد، وهو لا يتورّع عن استعمال كلمات مستهلكة ومفاهيمية عادة ما يتحاشى كتّاب الأغنية استخدامها، ففي عمل بعنوان "لقد مللنا" يقدّم قراءة مبسّطة وواضحة في مصائر الأفارقة على مدى قرون تكاد تشبه أقوال مؤرّخ أكاديمي، حين يكتب "بعد إلغاء العبودية/ خلقوا الاستعمار/ وحين تجاوزناه/ أتوا بالتعاون الاقتصادي/ وحين بدأنا نُدين هذا الوضع جاؤوا بالعولمة، ومن دون أن يفسّروا العولمة ها هي بابل تستغلّنا".

أو أنه يشرح واقع العلاقات الدولية بمثل هذه الكلمات "لقد تقاسموا العالم، لا شيء يثير استغرابي/ لو تترك لي الشيشان سأترك لك أرمينيا/ لو تترك لي أفغانستان سأترك لك الباكستان/ لو أنك لا تغادر تاهيتي لن أتحرك من بانغي (..)/ لو تترك لي الأورانيوم سأترك لك الألمنيوم/ لو تعطيني الكثير من القمح سأحارب إلى جانبك/ لو تتركني أستخرج ذهبك، سأساعدك في إقصاء الجنرال".

يتطابق التوجّه الذي يأخذه فاكولي في أغانيه مع أنشطته الميدانية، حيث يساهم في التظاهرات العالمية المناهضة لسياسات النظام الدولي، كما كان وراء بعث عدد من المهرجانات والحملات التنموية والفنية في غرب أفريقيا.

رغم أنه بلا لون سياسي محدّد، إلا أن الفنان الإيفواري كثيراً ما حُسب على التيارات السياسية المتنازعة في بلاده. يعود ذلك إلى أن أعماله توظَّف أوّلاً بأول من قبل السياسيين، فحين كتب أغنية "لقد جرى كنس الكانس" بعد إسقاط حكم الجنرال روبار غِيي سنة 2000، اعتُبر من أنصار الرئيس الجديد لوران باغبو، إلا أنه بعد سنوات وجد نفسه مُجبراً، بفعل التضييقات أثناء حكم الأخير، على الانتقال إلى العيش بين مالي وفرنسا.

وضعٌ جعل البعض يصنّفه في المعارضة، وبالتالي من بين أنصار الرئيس الحالي الحسن واتارا، خصوصاً أنه أطلق أغنية "اترك السلطة" (2004) التي أصبحت شعاراً للحملة ضد باغبو.

بالرغم من ذلك، يظلّ فاكولي على المسافات نفسها من الجميع، والدرجة نفسها من المشاكسة والمجاهرة بالانتقاد لما يمارسه السياسيون الذين يسمّيهم بأسمائهم، ويكشف دورهم في استمرار الاستغلال والانقسامات، مستفيداً هنا من شهرته العالمية التي باتت تحميه من كل تضييقات السلطة في الداخل.

بعيداً عن المياه العكرة للسياسة، لصاحب أغنية "أفريقي في باريس" جماهيرية واسعة في غرب القارة السمراء بالخصوص؛ إنه شخصية عامة بامتياز، وهذا متوقّع بسبب بساطة موسيقاه واقترابها من قضايا الناس وتوالي نجاحات أعماله وتداولها بشكل موسّع منذ عشر سنوات على الأقل.

من الواضح أن فاكولي متمسّك، منذ بداية مشواه إلى اليوم، بتصوّر للأغنية يجعل منها أداة نضال وتعرية، وهو أمر ليس نادراً في التجارب الموسيقية الأفريقية. ورغم أن ثمّة نزعة نقدية (أوروبية) تحاول توجيه الفنّانين الأفارقة نحو الاشتغال أكثر على البحث الموسيقي على حساب النصوص، فإننا لا نعثر على انعكاس هذه التوجهات في أعماله، حيث إنه نجح في أن تظلّ مسيرته تتطوّر بطاقة ذاتية.

هنا، لا بد من الإشارة إلى أن درجة الفنية في الأغاني التي يقدّمها بلغات محلّية إيفوارية تتجاوز الفنية في الأغاني التي يقدّمها باللغة الفرنسية، إذ تبدو مثلاً أغنية "تاتا" بلهجة المالينكي الأكثر إتقاناً على المستوى النغمي من بين جميع أعماله.

قدرة فن الريغي على أن يكون بهذه الطواعية في يد فنانين من أفريقيا والكراييبي وهم يناصرون قضايا شعوبهم، يثير التساؤل عن أسباب صعوبة استثمار هذه الأنماط الموسيقية عربياً، رغم أن الشباب يستهلكها بكثرة ويتذوّقها (أكثر من أربعة آلاف متفرج في حفل قرطاج) لتظلّ معظم التجارب تصطدم بعوائق الاستمرارية والجماهيرية. إنه تساؤل يتعلّق أيضاً بقدرة الاندماج العربي في سياقات ثقافية غير مُتمركزة في الغرب.

المساهمون