تونس وقوارب الموت إلى إيطاليا

02 اغسطس 2020
الصورة

أدّت وزيرة الداخلية الإيطالية، لوتشيانا لامورغيسي، الأسبوع المنقضي، زيارة عمل إلى تونس، التقت خلالها نظيرها التونسي هشام المشيشي، المكلف حاليا بتشكيل الحكومة، واستقبلها الرئيس قيس سعيد. لم يتم الإفصاح عن موضوع الزيارة، ولكن تصريحات الوزيرة، ومسؤولين تونسيين، ترجّح أن لها هدفا وحيدا تقريبا، حث السلطات التونسية على مكافحة تدفقات الهجرة السرّية. وإذ عبرت السلطات التونسية عن استعدادها لأن تكون تونس شريكا فاعلا مع إيطاليا، للتنسيق والتعاون في مكافحة الظاهرة، فإن النتائج لن تكون ذات جدوى وفعالية، لأسبابٍ عديدة تتجاوز صدق النيات. السياق السياسي والاقتصادي الذي تمر به تونس، علاوة على محدودية الإمكانات الحالية للقوات الأمنية، كلها عوامل لا تسمح بإنجاز ما تأمله إيطاليا.

بعيدا عن صخب الحياة السياسية والحركات الاحتجاجية الهادرة، وتلاسن الفرقاء السياسيين ومناكفاتهم الحادّة في البرلمان التونسي أو خارجه، والتي ربما لن تنتهي قريبا، تنطلق عشرات الرحلات القاتلة أحيانا باتجاه الشواطئ الإيطالية. لم يعد ممكنا إطلاق تسمية الهجرة السرية عليها، ذلك أن الشباب يعمد، وهو يشق عُباب البحر، إلى تصوير الرحلة وبثها تقريبا بشكل مباشر على المواقع الاجتماعية للتواصل. وتوفر هذه الفيديوهات مواد مهمة للباحثين الراغبين في فهم الظاهرة، تقنياتها وأدواتها، وملامح الشباب الاقتصادية والاجتماعية، فضلا عن عوالمهم الرمزية الحقيقية والمتخيلة من خلال الأهازيج والأغنيات، وحتى الشعارات التي تعبر عن رؤيتهم لبلدهم وأوروبا التي يحلمون بالوصول إليها. يتم من خلال هذا الهذيان البحري تلطيف الرحلة، وتهوين صورة الموت الذي يظل فاتحا فمه إلى حين تطأ أقدامهم الشواطئ الإيطالية. 

قيل إن الثورات قد تأكل أبناءها، ولكن الثورة، في الحالة التونسية، تطرد أبناءها لسوء إدارة الحكام حل المعضلات

ربما تعد هذه الموجة الثانية الأهم في تاريخ أمواج الهجرة السرّية باتجاه إيطاليا التي تسجلها تونس بعد الثورة. كانت الأولى الأعنف التي شهدتها البلاد، أسابيع قليلة بعد سقوط النظام مباشرة، واستمرّت ثلاثة أشهر، حيث تمكّن آنذاك ما يناهز عن 25 ألف شاب من اجتياز الحدود والنزول على الشواطئ الإيطالية. 

تختلف السياقات التي حفّت بالموجتين، ولكن الأسباب تظل تقريبا نفسها، فخزّان الهجرة الضاغط يظل يستقطب سنويا نحو مائة ألف شاب، دفع بهم التسرّب المدرسي، حتى وصلت أعداد العاطلين حاليا إلى مليون شاب تقريبا علاوة، عن نسب بطالة مرتفعة بلغت ما يناهز 20% في الأسابيع الأخيرة. وزادت جائحة كورونا من استفحال الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الحادّة التي تفاقمت بعد الثورة.

تفيد مختلف البيانات التي تنشرها وزارة الداخلية التونسية بأن السلطات الأمنية تجهض أسبوعيا ما يناهز خمسين عملية اجتياز للحدود. وقد قدّرت أن العمليات التي أحبطتها مختلف الأجهزة الأمنية كانت في حدود خمسمائة عملية. أما عدد الذين تم إيقافهم فقد بلغوا ما يناهز خمسة آلاف شخص. ولئن ظلت أعداد من اجتازوا الحدود غير معروفة بشكل دقيق، فإن تقديرات تفيد أيضا بأن حوالي خمسة آلاف تمكّنوا في الأشهر الأربعة الماضية من الوصول إلى مختلف الجزر الإيطالية التي لا تبعد سوى أقل من مائة كلم عن السواحل التونسية، وتمكّن نصف هؤلاء من الوصول في الشهر المنصرم (يوليو/ تموز).

زادت جائحة كورونا من استفحال الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الحادّة التي تفاقمت بعد الثورة

تجد إيطاليا، لأسبابٍ عديدة، نفسها شبه عاجزة عن ترحيل كل هؤلاء المهاجرين، وهي التي عقدت عدة اتفاقيات مع تونس منذ الثورة، بل سعت، في مناسبات عديدة، إلى تسوية وضعية هؤلاء المهاجرين، بمنحهم وثائق الإقامة والعمل، خصوصا في ظل حاجات الاقتصاد الإيطالي، على الرغم من أن الأزمة ما زالت قائمة، سيما في قطاع الفلاحة الموسمية وخدمات أخرى. ومع أن إيطاليا عمدت، منذ سنوات، إلى ترحيل بعض هؤلاء ضمن رحلاتٍ جوية بالتنسيق مع السلطات التونسية، فإن المهاجرين ما زالوا مصرّين على أن الحل الأمثل لمشكلاتهم هو الإقدام على هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر، خصوصا في هذا الظرف الدقيق، فهم يدركون أن جهود الأمن الإيطالي منصبة على إدارة الجائحة، وتأمين نسق حياة شلت تقريبا، ولن يكون في وسعه مراقبة الحدود، وإعطائها الأولوية المطلقة، كما أنهم يعتقدون أن الاقتصاد الإيطالي يحتاج لكي يتعافى إلى يد عاملة غير ماهرة، توفر له الخدمات، وتحديدا في قطاع الفلاحة. 

المهاجرون مصرّون على أن الحل الأمثل لمشكلاتهم هو الإقدام على هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر

يدرك الشبان "الحارقون"، بحسهم المرهف وتجاربهم الحياتية، أن وضع تونس لن يتحسّن في المنظور القريب، وأن السياسات العمومية القادمة، مهما كانت خبرة الحكام وكفاءتهم، لن تجلب حلولا ناجعة في المديين، القريب والمتوسط. لذلك يبدو أنها اللحظة السانحة للرحيل، خصوصا في ظل تركيز القوات الأمنية جهدها على مراقبة الحدود الجنوبية والغربية خشية تسلل المجموعات الإرهابية من الحدود الليبية أو الجزائرية. 

قيل إن الثورات قد تأكل أبناءها، ولكن في الحالة التونسية، الثورة تطرد أبناءها لسوء إدارة الحكام حل المعضلات.