هل يؤسس الرئيس التونسي قيس سعيّد حزباً؟

09 يونيو 2020
الصورة
يحظى سعيّد بدعم فئات شبابية (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
كشفت التحوّلات السياسية في تونس أخيراً عن تبدّلات في المزاج الشعبي، وهو ما برز في استطلاع البارومتر السياسي لمؤسسة "سيغما كونساي"، ونشرته صحيفة "المغرب"، يوم الجمعة الماضي. فبحسب الاستطلاع، تمثّلت المفاجأة بنيّة 6.9 في المائة من التونسيين التصويت لـ"حزب الرئيس قيس سعيّد"، وهو حزب غير موجود، في أي انتخابات تشريعية مقبلة. مع العلم أن الاستطلاع منح "حركة النهضة" صدارة النتائج بنسبة 24.3 في المائة بفارق نقطتين عن "الحزب الدستوري الحرّ"، الذي حلّ ثانياً بنسبة 22.2 في المائة، فيما جاء حزب "قلب تونس" ثالثاً بنسبة 12.1 في المائة، وخلفه "التيار الديمقراطي" بنسبة 8.3 في المائة.

وعلى الرغم من أن الرئيس التونسي فاز في الانتخابات الرئاسية العام الماضي بصفته مستقلاً، ويصرّ دائماً على عدم انتمائه إلى أي حزب، إلا أنّ نيات التصويت ذكّرت التونسيين بحزب آخر، كثيراً ما تصدّر أيضاً الاستطلاعات قبل أن يكون موجوداً على الساحة، وبات اليوم في صلب البرلمان التونسي، وهو حزب "قلب تونس"، برئاسة نبيل القروي. ومع أن القروي عُرف بنشاطه الاجتماعي، إلا أنّه نجح لاحقاً في تأسيس حزب واحتلال المركز الثاني في الانتخابات التشريعية العام الماضي، وهو ما جعل كثراً يقارنون مسيرة القروي بمسيرة سعيّد في سياق تشكيل حزب.

عملياً، يحظى الرئيس التونسي بشعبية واسعة قد ترتفع في ظل بحث العديد من التونسيين عن بديل، خصوصاً بعد فشل النخبة السياسية في جذب اهتمام فئات واسعة من الجمهور، تحديداً الشباب والمهمشين. وأمام تنامي التجاذبات التي تشهدها مختلف الأحزاب السياسية وتشتت المشهد السياسي، يذهب البعض إلى التأكيد أن هذا السيناريو قريب، وأن إعلان سعيّد عن حزب جديد لن يتأخر كثيراً.

حول احتمال حصول ذلك، يرى الأمين العام للحزب الجمهوري، عصام الشابي في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أنّ رئيس الجمهورية ظاهرة سياسية، ففوزه بفارق كبير على منافسه نبيل القروي في الانتخابات الرئاسية والشعبية الكبيرة التي يحظى بها، والإجماع الحاصل حول شخصه، كلها عوامل جعلته مفاجأة الانتخابات، من دون أن يستفيد منها حتى الآن، لا بل ظل بمنأى عن التجاذبات السياسية والأحزاب. ويوضح أن لسعيّد أنصاراً كثراً، خصوصاً في المدن الداخلية وبين الشباب، وسيكون له حضور لافت في المشهد السياسي مستقبلاً.

ويضيف أنّ التساؤلات تتمحور حول قدرة الرئيس على تحويل هذه الشعبية والتأييد الحاصل حول شخصه إلى تأييد حول حزب سياسي، معتبراً أن هذا سيمثّل تحوّلاً كبيراً، وسيتطلّب تكوين حزب جديد وجوهاً جديدة وشخصيات قيادية في مختلف الجهات. بالتالي، قد يتجه سعيّد نحو هذا المنحى لربط علاقة مباشرة مع المواطنين، محافظاً على شعاره "الشعب يريد"، والعمل على تمكين الشعب من الوصول إلى أهدافه، على أن يكون ذلك بالديمقراطية المباشرة وبالديمقراطية القاعدية المفتوحة.

وعن نظرة سعيّد للشأن السياسي، يشير الشابي إلى أنها تبدو مختلفة وغير كلاسيكية، بمعنى أن تدخّله في الحياة السياسية قد يدفعه إلى عدم تكوين حزب بالمعنى التقليدي، بل البحث عن آلية جديدة خاصة. ويعلّل ذلك بأن الرئيس التونسي لا يؤمن بالعمل الحزبي، وكثيراً ما انتقد الأحزاب، مشبّهاً إياها بالأدوية منتهية الصلاحية، مضيفاً أن سعيّد سيبقى مؤثراً في الحياة السياسية، وسيحافظ على طريقته الخاصة في التواصل مع الناس والتأثير فيهم. ويقول الشابي إن النخبة السياسية تعتبر هذه الخطوة غير مجدية، لكن الواقع أثبت العكس. وسعيّد سيتدخل في الشأن السياسي بشكل جديد، أي بالعودة إلى المواطنين ومن طريق الضغط الشعبي للتغيير والإصلاح، ولقطع الطريق أمام الانتهازيين ممن سيتدفقون عليه بمجرد إعلانه تشكيل حزب سياسي.

في السياق، يرى المحلل السياسي، ماجد البرهومي، أنّ وجود رئيس جمهورية من دون دعم حزبي أو كتلة برلمانية، يجعل أغلب مشاريعه وأفكاره غير واقعية. وعليه، لن يكون سعيّد فاعلاً في الحياة السياسية. ويضيف في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن أنصار الرئيس رقم صعب، ويعدّون العدّة لتكوين حزب يعدل المشهد السياسي ويخترق الساحة السياسية ويستغل الصراع التاريخي بين الدستوريين و"حركة النهضة"، معتبراً أن المهمشين والفئات الشبابية القديمة الثائرة التي لم تشهد صراعات مرحلة (الرئيس المخلوع زين العابدين) بن علي ولا الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، يملكون نظرة أخرى، وسيتمثلون في الحزب الجديد في حال تشكيله.

ويشير البرهومي إلى أنه مع إعلان ولادة حزب الرئيس، قد يتقدم على الأحزاب الكبيرة الموجودة ويكون في صدارة المشهد السياسي، لافتاً إلى أن فئات عدة متعطشة لصورة السياسي النظيف، ولم تتوافر أمام سعيّد الفرصة سابقاً لتجسيد هذه الصورة على أرض الواقع. ويتوقع استفادة الرئيس التونسي من فضائح بعض السياسيين والتجاذبات الحاصلة والمستوى الذي وصل إليه البعض في ظلّ فقدان فئات تونسية ثقتها بالأحزاب، لتأسيس حزبه العتيد. ويرى أن التمهيد لهذا الحزب يبدأ باستطلاعات الرأي، مروراً بمراحل تسويقية أخرى، ومعظمها رسائل خفية، لمعرفة التوجه العام.

إلا أن المحلل السياسي، قاسم الغربي، له رأي مختلف، إذ يرى أنّ سعيّد قد يخطئ إذا ما أسس حزباً سياسياً، لكونه ردّد سابقاً عدم نيّته فعل ذلك، وبالتالي سيقع في تناقض كبير مع تصريحاته، مضيفاً في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أن سعيّد ترشّح كمستقل، وحملته الانتخابية وفوزه في الانتخابات كانا نتيجة خلافه مع المنظومة الحزبية. لكن الغربي يشدّد على أنه لا بد من الانتباه إلى أن حزب "قلب تونس" بدأ تقريباً بذات العنوان: "حزب نبيل القروي يتقدم في نوايا التصويت" وانتهى بالفوز في الانتخابات التشريعية، بالتالي لا يجب التغافل عن هذه التفاصيل. ويرى أنه في حال تأسيس حزب لسعيّد، سيكون من أبرز الأحزاب في المشهد السياسي، ورقماً صعباً في أي انتخابات مقبلة.

المساهمون