تونس... من القمع إلى الثورة

22 مايو 2020
الصورة
طالبة طب في زمن كورونا (جديدي وسيم/ Getty)
دوماً كانت الساحة الطالبية التونسية ميدان مواجهات كر وفر مع الأدوات القمعية البوليسية لنظامي بورقيبة أولاً، وثانياً لخلفه الجنرال زين العابدين بن علي بخلفيته الأمنية المخابراتية الواسعة، والتي لم تغادره حتى مغادرته الحكم مرغماً بفعل ثورة 17 ديسمبر/ كانون الأول 2011. حاول بن علي بداية أن يظهر بمظهر المتجاوب مع توفير مساحة للحياة العامة والطالبية في البلاد، لكنه ما لبث أن عاد إلى وتيرة القمع. هكذا ضاعت وتلاشت وعوده التي أغدقها بتوفيره حياة سياسية ديمقراطية تليق بالمستوى الذي بلغه التونسيون (كما ذكر في البيان الأول لانقلاب 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 1987)، بعدها شهدت البلاد تزويراً فاضحاً للانتخابات وحصوله وحزبه على نسب تعودنا سماعها من الأنظمة العربية المشابهة، وتسلح بذلك لمصادرة متصاعدة للحريات.

إذن، اقتحم نظام بن علي الجامعة آنذاك نتيجة طغيان عاملين تضافرا معاً هما قوة أجهزته القمعية والمساعدة التي تلقاها من داخل أسوار الجامعات، فقد أنهكت المزايدات السياسية القوى الطالبية، ترافقت مع عملية تقارب بين النظام وقوى اليسار، شبيهة بما تمّ سابقًا مع الإسلاميين في بدايات ظهورهم، وعرفت البلاد ما عرف حينها بالهجرة اليسارية نحو "التجمع الدستوري الديمقراطي"، وذلك في سياق قراءة يسارية اعتبرت المد الإسلامي أولوية وخطراً تهون أمامه باقي المخاطر والأولويات بما فيها النظام البوليسي.

تنفع في قراءة سياسة بن علي العودة إلى كليلة ودمنة وقصة الأسد والثورين الأسود والأبيض، وخلاصتها تلك المقولة الرائجة إلى اليوم "أُكلت يوم أُكل الثور الأسود". وضمن هذا المنحى الاحتوائي، عمد إلى التراجع عن منح حق العمل القانوني لـ "الاتحاد العام التونسي للطلبة" و"الاتحاد العام لطلبة تونس" مراهنًا على اشتعال الصراع بينهما كموقعين لكل من اليسار والإسلاميين، وعلى أمل أن يقود مثل هذا الاشتباك إلى التخلص من قوتيهما معاً، ما يضمن له الراحة من الإزعاج الذي يتسببان به. بعده عمد إلى سحب الشرعية من "التونسي للطلبة" الإسلامي، وتقليم أظافر زميله اليساري، لتدخل الساحة الطلابية منذ ذاك في مرحلة من الضغط الأمني القاسي انتهى بها إلى الضعف والتشتت والتراجع شيئاً فشيئاً بعيداً عن تاريخها المجيد.

وسط هذا الوضع القمعي، خرجت منظمة الحزب الحاكم من السرية إلى علنيتها معتمدة دور المخبر لترسيخ أقدامها. وقد قاد ذلك إلى أشكال ومنوعات من الوشايات والتحقيقات والسجون وحرمان المناضلين من حق إشغال الوظائف العامة. لم تقم حينها تلك المنظمة بدور المخبر فقط، بل مارست عمليات الترهيب بتقديم عصا التحقيقات لدى الأجهزة الأمنية والحرمان من العمل، لا سيما وسط حال البطالة العامة التي يعانيها أكثر من سواهم طلاب الجامعات والمعاهد العليا، والجزرة عبر الوعود التي أغدقتها على كل من تجاوب معها.



وعندما اندلعت ثورة 17 ديسمبر/ 2011 كان الشباب المهمش العاطل عن العمل عمودها الفقري. أما الشباب الجامعي الذي طالما ناقش كتابات مرجعياته الفكرية سواء أكانت يسارية أم إسلامية فقد غاب تقريباً عن الساحة. ومع عودة الشرعية القانونية عاد الجميع أحزاباً ومنظمات طالبية إلى النشاط ولعبت الأخيرة دوراً هاماً في اعتصامات القصبة 1 و2 و3، التي صاغت ملامح تلك المرحلة وما لحقها من مراحل سياسية متسارعة في تونس الثورة المستمرة بأشكال ديمقراطية جديدة.

*باحث وأكاديمي