تونس: ملفات حارقة تلاحق قيس سعيّد

تونس: ملفات حارقة تلاحق قيس سعيّد

19 اغسطس 2020
الصورة
سعيّد معروف بعدائه الشديد للتطبيع مع إسرائيل (ياسين قائدي/الأناضول)
+ الخط -

لا يزال الرئيس التونسي قيس سعيّد محل اهتمام التونسيين، سواء الذين منحوه ثقتهم أو المختلفون معه. فاستطلاعات الرأي الأخيرة تؤكد أن الرجل لا يزال يحظى بشعبية واسعة، على الرغم من أن هذه الشعبية تشهد تراجعاً ملحوظاً، لكنه يبقى في طليعة الشخصيات السياسية، بينما رئيسة الحزب "الدستوري الحر" عبير موسي مثلاً حظيت بثقة تسعة في المائة فقط من مجموع المستجوبين. هذا يعني أن الرئيس لا يزال يتمتع بقوة رمزية أوصلته إلى رئاسة الجمهورية، على الرغم من استمرار الجدل حوله وانقسام المواطنين في شأنه. وقد يكون نقده للأحزاب، وموقفه من الأجواء الصاخبة داخل البرلمان، من العوامل التي دعمت شعبيته، لكن الملفات الحارقة تلاحقه وتدفعه نحو تحديد مواقف واضحة منها.

لا يزال سعيّد يتمتع بقوته الرمزية التي أوصلته إلى رئاسة الجمهورية

تابع سعيّد عن قرب الاستشارة الواسعة التي يقوم بها رئيس الحكومة المكلف هشام المشيشي من أجل تشكيل حكومته. ويعود هذا الاهتمام إلى أسباب متعددة، في مقدمتها أن الطبقة السياسية برمتها تعتبر أن الحكومة المقبلة هي الثانية للرئيس. وبقطع النظر عن مدى صحة هذا الرأي، فالأكيد أن نجاح حكومة المشيشي من عدمه سينعكس بالضرورة سلباً أو إيجاباً على صورة سعيّد، ومكانته لدى الرأي العام. حكومة المشيشي لن تكون حزبية، وسيطغى عليها جانب التكنوقراط، لكنها في الوقت نفسه لن تعادي الأحزاب ولن تدخل في حرب معها. فعندما يعتبر حزب "قلب تونس" أن المفاوضات تسير في الطريق الصحيح، فهذا يعني أن المقاربة التي تبناها رئيس الحكومة المكلف قد بدأت تتفاعل معها إيجابياً بعض الأحزاب. فحتى حركة "النهضة"، التي تتمسك بحكومة سياسية واسعة، قد تقبل على مضض بحكومة المشيشي الذي تستند مقاربته إلى إشراك الأحزاب في اختيار الكفاءات التي سيقترحها ضمن فريقه الحكومي، بعد أن أطلعها على أولوياته والسياسات الكبرى التي سيعتمدها. بذلك تكون الأحزاب فاعلة إلى حد ما ومصاحبة للحكومة، من دون أن تكون ممثلة في صلبها بأشخاص يحملون قبعات حزبية. شعاره في ذلك خدمة المصلحة الوطنية مقدمة على مصلحة الأحزاب.

لم ينجح سعيّد في تجسير العلاقة بينه وبين الوسط النسوي الذي سبق أن عاداه خلال حملة الانتخابات الرئاسية. وقد تجدد هذا الاشتباك بعد الخطاب الذي ألقاه رئيس الجمهورية بمناسبة عيد المرأة. فعلى الرغم من أنه حاول أن يبرز انحيازه إلى النساء، الا أن الأوساط النسائية هاجمته بقوة، وتلقى تعقيباً شديداً من جمعية النساء الديمقراطيات التي اعتبرت، في بيانها، أن خطاب الرئيس "ديماغوجي استثمر فيه فقر النساء، مغازلاً الخزان الانتخابي للتيارات الظلامية والمعادية للمساواة في الداخل والخارج". كما اتهمته بتقسيم التونسيات ورفض مقتضيات الدستور "مقدماً قراءته الرجعية له، مستولياً على دور المحكمة الدستورية". ويعود هذا الهجوم إلى انتقاده القوي للدعوة إلى المساواة في الإرث، واتهام أصحاب هذه الدعوة بالقفز على المشاكل الحقيقية للتونسيات. لكن في المقابل لم يتخذ الرئيس إجراءات عملية لصالح النساء، بمن فيهن المزارعات اللواتي زارهن أخيراً واطلع على ظروفهن الصعبة. فالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي طالب سعيد بإعطائها الأولوية تقتضي تشريعات جديدة وإرادة سياسية واضحة ونافذة.

اعتبرت جمعية النساء الديمقراطيات أن خطاب الرئيس ديماغوجي استثمر فيه فقر النساء

في سياق موازٍ، يتعرض سعيّد إلى ضغوط من قبل تيارين يدافعان عن ملفين مختلفين، لكنهما اكتسبا أهمية خاصة في الأيام الأخيرة. يتعلق الملف الأول بمسألة الهجرة غير النظامية. فما حصل خلال شهر يوليو/تموز الماضي أزعج الحكومة الإيطالية اليمينية، ودفعها إلى التهديد بإيقاف جزء من المساعدات الموجهة إلى تونس في حال عدم تصديها للفارين منها نحو جنوب ايطاليا. وقد توالت زيارات كبار المسؤولين الإيطاليين من أجل "إجبار" السلطات التونسية على مضاعفة جهودها لوقف هذا الزحف. فعدد المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى جزيرة لامبيدوزا خلال الشهر الماضي فاق  مجموع الذين يبلغونها خلال سنة كاملة. وما يخشاه النشطاء هو أن يستجيب سعيّد لهذه الضغوط، لا سيما عندما اعتبر أن جزءا من هذه الهجرة موجه ضده، ومدعوم من قبل بعض الأطراف التي تريد توجيه رسالة إلى الرأي العام مفادها أن الرئيس فاشل. المشكلة أنه على الرغم من الاتفاق الذي تم توقيعه أخيراً مع كبار المسؤولين الإيطاليين، بإشراف رئيس الدولة، فإن ملف "الحرقة" (الهجرة السرية) سيبقى مطروحاً بحدة، حتى لو نفذ الإيطاليون تهديدهم بإرجاع كل من يصل إلى إيطاليا بطريقة غير نظامية.

أما النوع الثاني من الضغوط التي تمارس حالياً ضد سعيّد، فيتعلق بدعوته إلى اتخاذ موقف علني ضد الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي الأخير. فالرئيس معروف بعدائه الشديد للتطبيع مع إسرائيل ويعتبره جريمة. كيف سيتصرف الآن، وقد أصبح رئيساً من مهامه حماية مصالح تونس، ومن ثوابت سياستها الخارجية عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى؟ لكنه في المقابل كيف سيتفاعل مع الحراك الاحتجاجي الذي يتصاعد ضد التطبيع، بما في ذلك البيان الذي صدر عن مكتب البرلمان؟

المساهمون