تونس: مخاوف من إقحام الجيش والأمن في الصراعات السياسية

13 يوليو 2020
الصورة
خلال احتجاجات في رمادة يوم الجمعة الماضي (فرانس برس)

جاءت تحذيرات الرئيس التونسي قيس سعيّد من "خطورة ما يجري بخصوص سعي بعضهم إلى تفجير الدولة من الداخل عبر ضرب مؤسساتها ومحاولات تغييب سلطتها في عدد من المناطق" لتدقّ جرس إنذار للجميع. وعلى الرغم من أنّ هذا التحذير لم يكن الأوّل من نوعه، إلا أنّ المخاوف التي أثارها سعيّد جاءت هذه المرة خلال إشرافه في قصر قرطاج، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، على اجتماع المجلس الأعلى للجيوش والقيادات الأمنية الخميس الماضي، والذي خُصص للنظر في الوضع العام داخل البلاد، وخصوصاً الوضع الأمني في الجنوب التونسي الذي شهد توترات أخيراً. ولفت سعيّد إلى أنّ من بين المخاطر الموجودة اليوم، محاولة الزجّ بالمؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية، واستدراجها بهدف الدخول معها ومع بقية المؤسسات الأخرى في مواجهة، لافتاً إلى أنّ المؤسستين العسكرية والأمنية نأتا بنفسهما عن كل الصراعات السياسية. وأضاف أنّ ما حصل أخيراً في الجنوب غير مقبول بكل المقاييس، معرباً عن يقينه بأنّ التونسيين عموماً، ومنهم أهالي رمادة وتطاوين (في الجنوب حيث يتظاهرون للتنديد بما يعتبرونه تهميشاً للمنطقة، وللمطالبة بالوظائف والاستثمار فضلاً عن احتجاجهم على مقتل شاب يعتقد بأنه مهرّب على يد الجيش، واشتباكهم مع الشرطة والجيش)، لهم من الحكمة وبعد النظر ما يجعلهم قادرين على تهدئة الأوضاع وتغليب المصلحة العليا للبلاد ووضعها فوق كل اعتبار.

سعيّد: الوضع السياسي الراهن يحتم على الجميع أن يكونوا في مستوى المسؤولية

وأشار سعيّد إلى مشروعية الاحتجاجات ما دامت سلمية وفي إطار احترام القانون والمؤسسات. وشدد على أنّ الوضع السياسي الراهن يحتم على الجميع أن يكونوا في مستوى المسؤولية التاريخية والحفاظ على الدولة بكل مؤسساتها والوعي بخطورة الوضع إذا ما اشتعلت نار الفتنة.

ومع تصاعد الاحتجاجات في الجنوب التونسي، أصدرت وزارة الدفاع التونسية يوم الجمعة الماضي، بياناً قالت فيه إنّ مدينة رمادة شهدت أخيراً بعض المناوشات على خلفية وفاة شاب بالمنطقة الحدودية العازلة، وذكرت الوزارة أنّ "العسكريين توخوا أقصى درجات ضبط النفس والرصانة في التعامل مع الوضع واحتوائه والحيلولة دون خروج الأوضاع عن السيطرة، وذلك على الرغم من تعمّد مجموعة من المحتجين رشق الواجهة الأمامية للثكنة العسكرية في المدينة وبعض المعدات بالحجارة واستفزاز بعض العسكريين".

وأضافت أنّ هذه الاحتجاجات "تتزامن مع تصاعد ملفت للانتباه لمحاولات التهريب والتسلل بطرق غير شرعية عبر الحدود الجنوبية الشرقية للبلاد، وهي محاولات تواصل الوحدات العسكرية التصدي لها بكل صرامة وحرفية في نطاق تطبيق القانون". ونبّهت الوزارة في بيانها إلى أنّ "الجيش سيبقى جاهزاً للتصدي لكل محاولات المساس بسلامة التراب الوطني وحرمته، وسيظلّ درعاً حصيناً للنظام الجمهوري ومؤسساته". ودعت المواطنين، أمام حساسية الفترة التي تمر بها البلاد والمنطقة عموماً، إلى الالتزام بالهدوء وتغليب المصلحة الوطنية.

في الأثناء، وبعد مناوشات حصلت داخل البرلمان يوم الجمعة الماضي، أصدرت الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية في وقت متأخر من اليوم نفسه، بياناً قالت فيه إنّ "الأمن الرئاسي التونسي ملتزم بقيم الجمهورية، ولا يرضى بأي حال من الأحوال بأن يتم زجه في تجاذبات سياسية". ويأتي ذلك بعدما شهد مجلس نواب الشعب مساء الجمعة، حالة احتقان وتوتر في الجلسة العامة وفي أروقة البرلمان بعد منع الأمن الرئاسي المشرف على الحماية الأمنية لمقر البرلمان، دخول مرافق لكتلة ائتلاف "الكرامة"، وهو أحد مؤسسي الائتلاف، حافظ البرهومي، لورود اسمه في قائمة الممنوعين من السفر، قبل السماح له بالدخول في وقت لاحق. وأشارت الإدارة إلى أنها "تتابع في كل مرة المحاولات اليائسة لجرها نحو الصراعات"، مؤكدةً أنه "مهما علا شأن هذه المحاولات، فلن تكون أهم بالنسبة إليها من الانكباب على مهامها السامية".


الإدارة العامة لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية: الأمن الرئاسي التونسي ملتزم بقيم الجمهورية، ولا يرضى بأن يتم زجه في تجاذبات سياسية

ومع هذه التطورات، خصوصاً في الجنوب، حيث رفع الجيش التونسي أعلى درجات الاستعداد تحسباً لتدهور الأوضاع في ليبيا في أي وقت، تأتي هذه التحذيرات الشديدة من الجيش لتؤكد أنّ هناك حدوداً لضبط النفس، وأنّ المؤسسة العسكرية أمامها أولويات وتحديات كبرى ولا يمكنها أن تقبل بهذا الاستدراج إلى المربع المدني، وأنّ الاحتجاجات السلمية تبقى مشروعة، ولكن العملية في الجنوب معقدة يتداخل فيها التهريب مع الإرهاب مع الرهانات الإقليمية والأوضاع الاجتماعية. وفي طمأنة بيان وزارة الدفاع إلى أنّ الجيش سيبقى حصناً للنظام الجمهوري ومؤسساته، رسالة إلى الجميع في الداخل والخارج، بأنّ الجيش التونسي متشبث بعقيدته وبالدفاع عن مكاسب الثورة. ولكن المشكلة تكمن في تصرفات بعض الشخصيات السياسية التي لا تعي خطورة ما تقوم به، وتعبث بالتوازنات الداخلية الهشة، بما قد يؤدي إلى وضع قابل للتدهور اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.

وتعليقاً على هذه الأحداث، اعتبر المحلل السياسي عبد المنعم المؤدب، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أنّ "الجيش التونسي يعدّ استثناءً في منطقة تعيش على وقع الانقلابات العسكرية المسلحة، فميزة تونس جيشها الذي حمى الثورة التونسية ورعى انتقالها الديمقراطي وأشرف على نزاهة انتخاباتها لتبقى جمهورية ديمقراطية مدنية". وأضاف أنه "من المفارقات أنّ جيش تونس يقوده وزير للدفاع مدني وقاض مستقل ومحايد (عماد الحزقي)، وهو ما يصعب أن نراه في الجوار. حتى أنّ ذلك أصبح مدعاة للغرابة عند الأشقاء، حتى تحولت المؤسسة العسكرية التونسية إلى أكثر مؤسسات الدولة قرباً للمواطن، والأولى من حيث الثقة قبل الأحزاب والمنظمات وباقي الوزارات".


المؤدب: الزجّ بالمؤسسة العسكرية في أتون الصراعات السياسية والتجاذبات الحزبية ظاهرة خطيرة تستوجب التصدي لها

ورأى المتحدث نفسه أنّ "الزجّ بالمؤسسة العسكرية في أتون الصراعات السياسية والتجاذبات الحزبية خدمة لأجندة أطراف على حساب أخرى، ظاهرة خطيرة تستوجب التصدي لها بقوة قبل فوات الأوان"، مشيراً إلى أنّ قيادة الجيش التونسي "تسعى للنأي بنفسها عن كل الصراعات، على الرغم من محاولات ارباكها واقحامها في مجالات لا تعنيها".

ولفت المؤدب إلى أنّ الجيش "هو صمام أمان تونس، ويحتاج إسناداً، خصوصاً أنّ طبول الحرب تقرع على أشدها جنوباً، حيث تزداد خطورة المتربصين بالبلاد". وشدد على أنّ "ما يحدث في رمادة يتطلب تدخل عقلاء المنطقة وحكمائها، لأنه بين رمادة والجيش قصة طويلة من تاريخ كفاح مشترك، فالقرية بنيت حول الثكنة، والمواطن والجيش معاً يمثلان صمام أمان في أحد أخطر منافذ البلاد الجنوبية".

وأكّد المؤدب أنّ "اللعب بورقة إقحام المؤسستين الأمنية والعسكرية في صراع الطوائف الحزبية والكيانات السياسية، سلاح ذو حدين سيعود بالضرر على اللاعبين"، مشيراً إلى "خطورة تسييس هذه الأسلاك واقحامها في التدافع الحزبي وصراعات الحكم". وشدد على أنّ الجيش والأمن في تونس "يتلمسان طريقهما بصعوبة نحو الإصلاح من الداخل في اتجاه بناء أمن جمهوري وجيش جمهوري في بلد ديمقراطي، على الرغم من الصعوبات ومحاولات جذبهما إلى الوراء".