تونس: متلازمة الفساد والسياسة

14 يناير 2020
الصورة
+ الخط -
فشل رئيس الحكومة التونسية المكلف، الحبيب الجملي، في تمرير تشكيلته الوزارية أمام مجلس نواب الشعب، وتجاوَز عدد النواب الذين رفضوا منحه ثقتهم 130 نائبا، غير أن هذا العدد من النواب لم يكن من كتلة واحدة، ولا متجانسا من حيث التوجهات ولا الشعارات، فما الذي جمع كتلة الحزب الدستوري بالكتلة الديمقراطية وكتلة قلب تونس غير الرغبة في إفشال مقترح حركة النهضة ومن أيّدها ليتشكل مؤقتا تحالفٌ جديدٌ متنافر، وغير متجانس، بشكل يثير الاستغراب.
بعد خطاب التكليف، وفق التراتيب الدستورية الجاري بها العمل، شرع الحبيب الجملي في التفاوض مع الكتل السياسية التي ترفع شعارات محاربة الفساد، وكان العنوان الكبير الذي تم التفاوض تحت سقفه تشكيل حكومة الأحزاب الثورية، وبعد انقضاء غالبية المدة المنصوص عليها دستوريا لتشكيل الحكومة، أعلن الحليفان في الكتلة الديمقراطية، حركة الشعب، وحزب التيار الديمقراطي، رفضهما المشاركة في هذه الحكومة، وكان التبرير أن المفاوضات غير جدّية، وأن حركة النهضة التي تقف وراء رئيس الحكومة المكلف إنما تخفي رغبة ثاوية في التحالف مع كتلة قلب تونس التي يتزعمها نبيل القروي الذي تتهمه هذه القوى بالولوغ في قضايا فساد مالي.
أعلن الجملي بعدها تشكيلته الوزارية على أساس أنها حكومة كفاءات من خارج الأحزاب، وأعلنت القوى السياسية التي كانت جزءا من المفاوضات السابقة أنها لن تصوّت لها، وصوّرت الأمر قطعا للطريق على حكومة تبيّض الفساد، وتفتح له السبيل، غير أن ما حصل يوم 
التصويت البرلماني للحكومة أن كتلة قلب تونس، بزعامة نبيل القروي، كانت الطرف الذي تصدّر مشهد إطاحة حكومة الحبيب الجملي.
كان موقفا عجائبيا في كوميديا السياسة أن يقف القروي، الموصوم بالفساد، ليدلي بتصريحاته إثر إسقاط حكومة الجملي، وخلفه النائب عن حركة الشعب، هيكل المكي، ورئيس كتلة المستقبل عدنان بن إبراهيم، أي هؤلاء الذين شيطنوا حكومة الجملي وحركة النهضة الداعمة لها بسبب إمكانية تحالفها مع الشخص نفسه الذي وقفوا خلفه يومها، وهو يعلن عن تشكل حلف جديد يضم قوى حزبية مختلفة، ستسعى إلى المشاركة في الحكومة القادمة التي يصطلح عليها تحت اسم حكومة الرئيس.
وليس مهماً ما حصل بعدها من محاولات التنصل من هذا التحالف، فقد حقق نبيل القروي مبتغاه، وسطع نجمه، وظهر بوصفه الشخصية السياسية الأهم، وهو الذي تجاهله الجميع في تصريحاتهم، باعتباره متهما بالفساد، وتعاملوا معه بسلبيةٍ، على الأقل علنيا، ليصبح بعدها رقما أساسيا في أي تحالفاتٍ سياسية مقبلة.
لقد تعاملت الأحزاب مع قضية الفساد بوصفها جزءا من المكر السياسي وأداة للدعاية الانتخابية لنيل تعاطف الجمهور ليس أكثر، وهو ما جعل الهجمات المتكرّرة على حزب قلب تونس، وزعيمه نبيل القروي، قبل التصويت على منح الثقة للحكومة، يبدو كأنه جزء من تكتيكات السياسة لمنع "النهضة" من التحالف معه، ثم الانتقال إلى مرحلة التقارب معه في المرحلة الموالية، أعني في لحظة ما بعد إسقاط حكومة الحبيب الجملي.
مع الانتقال إلى تشكيل حكومة الرئيس، كما تنص عليه الفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور التونسي، سيكون من الصعب تمرير هذه الحكومة من دون إيجاد صيغٍ للتحالف، هي من الصعوبة بمكان، بمعنى إما استعادة التقاطع السياسي بين الكتل النيابية لحركة النهضة وائتلاف الكرامة من جهة والكتلة الديمقراطية التي تضم التيار الديمقراطي وحركة الشعب من جهة أخرى، في غياب تام للثقة بين الطرفين، بسبب ما حصل في أثناء مفاوضات تشكيل حكومة الجملي، أو أن نجد مشهدا جديدا بدأت بعض ملامحه بالتشكّل، أعني حلفا بين الكتلة الديمقراطية وكتلة قلب تونس التي يتزعمها نبيل القروي، وهنا تنهار شعارات عدم التحالف مع رموز الفساد عند أول امتحان سياسي فعلي، تنهار فيه الخطابات الشعبوية أمام حسابات الحكم والطمع في السلطة.
لقد تحوّلت شعارات محاربة الفساد في تونس إلى مجرّد أداة خطابية لإقناع الجمهور العام ونيل الحظوة، والوصول إلى مقاعد مجلس النواب، ولم تكن في أي لحظة برنامج عمل حقيقيا. والجميع يتذكر الحملة التي أعلن عنها يوسف الشاهد بعد رئاسته للحكومة (2016) لمكافحة الفساد، ولم تكن سوى حملة لتصفية الخصوم السياسيين داخل المنظومة نفسها التي جاءت به إلى الحكم. وتتكرّر اليوم الظاهرة نفسها من خلال ما يجري من مفاوضات فوق الطاولة وتحتها لنيل جانبٍ من غنيمة الحكم، بغض النظر عما يتم توجيهه من تهم بالفساد للخصوم، حتى وإن كانت ثابتةً بحكم القضاء، فمتلازمة السياسة والفساد في المشهد التونسي ما بعد الثورة أصبحت مما اعتاده الناس، ولم يعد يثير الاستغراب لديهم.