تونس... غياب الحقيقة في اغتيال بلعيد

تونس... غياب الحقيقة في اغتيال بلعيد

08 فبراير 2017
الصورة

(Getty)

+ الخط -
تمر الذكرى الرابعة لاغتيال القائد اليساري التونسي شكري بلعيد (6 فبراير/ شباط 2013)، ولا تزال رحلة البحث عن الحقيقة متواصلة، على الرغم من أن السلطات الأمنية والقضائية التونسية حصرت الشبهة في ثلاثين متهما، تتصدرهم قيادات فيما يعرف بتنظيم أنصار الشريعة، المحظور. وبعد مرور هذه السنوات، لم تقتنع عائلة بلعيد وهيئة الدفاع بالأبحاث والتحقيقات الجارية، واعتبرت أن ما يجري مسرحية سيئة الإخراج، وأن المتهمين الذين شملتهم الأبحاث والتحقيقات مجرّد كومبارسات، وأن الحقيقة لم تكشف، ما جعل هيئة الدفاع تطالب بتفعيل أحكام الفصل 294 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي يقضي بسحب ملف الاغتيال من قاضي التحقيق في المكتب عدد 13، وإحالته على مكتب تحقيق آخر، لمواصلة الأعمال فيه لاشتباه الهيئة في عدم حيادية القاضي، إلا أن هيئة الدفاع فوجئت بتعجيل قاضي التحقيق المذكور بختم البحث، حتى لا يتم سحب الملف منه، وفق تصريحات المحامي علي كلثوم.
لا يمكن فصل الجريمة السياسية التي ذهب ضحيتها شكري بلعيد في تونس عن ظاهرة العنف السياسي التي يجب رؤيتها في سياق الصراعات الاجتماعية والسياسية التي تضرب جذورها في البناء الإجتماعي والتكوين الثقافي للمجتمع التونسي. ولا يمكن المزاوجة بين بناء الدولة الديمقراطية التعدّدية والسلاح موجود لدى الجماعات السلفية المتشدّدة التكفيرية، وهي أقلية تونسية معزولة، مرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والتنظيمات الإرهابية الأخرى مثل داعش، وترتكز نزعتها التكفيرية على قناعة مفادها بأن ضعف الأمّة هو نتيجة انحراف المسلمين أنفسهم، وابتعادهم عن دينهم. فكلّ مسلمٍ لا يمارس دينه كافر، والذين ينضوون تحت هذه العقيدة مدعوون إلى مغادرة المجتمعات الإسلامية القائمة، بغية تكوين مجتمعات مستقلّة لمحاربة المسلمين الذين كفروا. وتعتبر هذه الجماعات التيارات الليبرالية والعلمانية واليسارية والقومية كفارا داخل المجتمع التونسي، وتمثل خطراً يجب التخلص منه، لا سيما أن هذه التيارات، من وجهة نظر التكفيريين، تمدّ العدو الغربي بالقوة.
منذ نجاح الثورة التونسية في إسقاط النظام الديكتاتوري السابق، ظهرت هذه الجماعات السلفية المتشددة التكفيرية، واشتدت نزعاتها العدوانية ضد الشعب التونسي في ظل حكومة الترويكا 
السابقة، بقيادة حركة النهضة الإسلامية. وأصبحت هذه الجماعات السلفية التكفيرية ترى في اليسار التونسي، والعلماني، عدوّاً، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك في ممارساتها، إذ بات التكفيري من وجهة نظرها كل مسلم لا يمارس دينه الإسلامي بشكلٍ حرفيّ. وبغية إعادة الأفراد المنحرفين إلى الصراط المستقيم، يجب التخلّص، أولاً، من زعماء التيارات اليسارية والعلمانية "الكافرة". وقد تحوّلت الأحياء الشعبية والفقيرة في المدن التونسية الكبيرة، لا سيما تونس، وبنزرت، وسوسة، وصفاقس، معقلاً جديداً للسلفيين المتشددين التكفيريين.
فالجماعات السلفية المتشددة التكفيرية في تونس، وفي باقي البلدان العربية، ليست معنيةً بخوض الصراع ضد الإمبريالية الأميركية، فضلاً عن أن قضية تحرير فلسطين، والصراع مع الكيان الصهيوني لطرده من بلاد المسلمين، لا يشكلان أي اهتمام في توجهاتهما الأيديولوجية والسياسية، بل إنّ الجهاديين معنيون بعدوّ الداخل، أي التيارات الليبرالية واليسارية والعلمانية. هذا ما يفسّر الاعتداءات المتكرّرة التي تعرّضت لها العديد من الأحزاب السياسية، والمثقفين، والفنانين، وأساتذة الجامعات، وآخرها قتل المعارض القومي الناصري محمد البراهمي في 25 يوليو/ تموز2013، إضافة إلى الكشف عن قائمة الاغتيالات لدى المجموعة السلفية التكفيرية المتورّطة في قتل بلعيد، وتتضمّن أسماء قياداتٍ حزبية وسياسية تونسية.
جريمة شكري بلعيد جريمة سياسية، وجريمة دولة بامتياز، والشعب التونسي يريد معرفة
 الحقيقة حول كل ملابساتها، وهو حق ديموقراطي تقتضيه المصلحة الوطنية. والشعب التونسي يرفض الصفقات السياسية و"التسويات" للقفز على العدالة، بذريعة الحفاظ على الاستقرار في تونس. ولأن المصلحة الوطنية تقتضي من الحكومة التونسية أن تكون لديها خريطة طريق واضحة بشأن إعادة بناء القضاء المستقل المحايد والنزيه، والتوجه نحو بناء الدولة الديموقراطية التي تحمي التعدّدية السياسية والتنوع الثقافي في تونس، ومواجهة السياسة الإرهابية التكفيرية ذات التوجهات الغيبية الخطيرة التي تمارسها الجماعات السلفية التكفيرية، ومن يحميها داخل تونس وخارجها، لأن هذه القوى تمنع بناء الدولة الديموقراطية التعدّدية العصرية على أسس عقلانية سليمة، فضلاً عن أن الإرهاب أصبح عائقًا أمام تحقيق انتظارات الشعب التونسي وتطلعاته في التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة، والعدالة الاجتماعية.