تونس: خطاب التكفير والمنزلق الخطير

تونس: خطاب التكفير والمنزلق الخطير

10 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
سبقت التفجير الإرهابي الذي هزّ محيط السفارة الأميركية في العاصمة التونسية، يوم 6 مارس/ آذار الحالي، مقدماتٌ ساخنة في البرلمان، حيث شهدت الجلسة العامة لنواب الشعب، قبل ثلاثة أيام من الحادثة، تطورات فجرت جدلا حادًا داخل البرلمان وخارجه، أكد مرة أخرى أن الفكرة الإرهابية لا تتحول إلى فعل إرهابي إلا في "مناخ" يمجد الإرهاب، ويقدم للإرهابي تطمينات رهيبة، تلبسه قناعا مقدسا "وتعفيه" من أي مسؤولية. والإشارة هنا إلى تصريح نائب ائتلاف الكرامة، محمد العفاس، بأن التكفير حكم شرعي لا ينبغي الخجل منه. وجاء تصريح العفاس تأييدا لمضمون ما قاله زميله في الكتلة نفسها، نضال السعودي، الذي اعتبر أن "بعض أعداء الإسلام لديهم مشاكل مع الاسلام هم في البرلمان"، وقد دانت رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، هذا الكلام، وقالت إن التجييش ضدها وتكفيرها أخذ منحى تصاعديا، إذ وصلت صور إلى مقر الحزب تحمل تهديدات خطيرة. 
وأعاد تكفير العفاس زميلته في البرلمان، عبير موسى، إلى الأذهان تصريحا مشابها، أثار جدلا عاصفا مطلع العام 2014، حين عمد النائب عن حركة النهضة، الحبيب اللوز، إلى اتهام القيادي من الجبهة الشعبية، منجي الرحوي، بعدائه الدين الإسلامي. واعتبر تصريح العفاس خطيرا ومؤشرا لخطاب التقسيم القديم الذي تم حسمه بموجب الفصل الثاني من الدستور، أن تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة وسيادة الشعب وعلوية القانون.
ما زالت تداعيات ما حدث في البرلمان في هذا الخصوص تديره في الفضاءات العامة هيئات 
المجتمع المدني ومنظماته، حيث اعتبر المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة أن هذا الخطاب التكفيري تأخر بالبلاد وجرّها إلى الإرهاب والاغتيالات. ومن الخطير أن يعود اليوم هذا الخطاب إلى قبة البرلمان تحريضا على الكراهية والعنف، ودعوة واضحة إلى القتل وتقسيم الشعب على أساس الاشتباه في المعتقدات الدينية. وقد نددت منظمات عديدة وشخصيات وطنية وأحزاب ديمقراطية بخطاب التكفير الذي يمنعه الدستور، ويجرّمه القانون مستحضرة دعوات التحريض وتوزيع صكوك التوبة والإلحاد التي كانت وراء اغتيال الناشط والمحامي شكري بلعيد في فبراير/ شباط 2013 والنائب في المجلس الوطني التأسيسي محمد البراهمي في يوليو/ تموز 2013.
واعتبر متابعون تهم التكفير داخل البرلمان تأكيدا للتناحر بين الكتل المشكلة للبرلمان الناجم عن انتخابات 6 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ما يزيد في تعقيد المشهد المشتت بطبيعته وهذا التناحر المتبادل بين الإسلاميين من جهة (حركة النهضة وائتلاف الكرامة) ومن يمكن تسميتهم بالدستورين الراديكاليين (الحزب الدستوري الحر) وأن التكفير وسياقات الفوضى الخطيرة طاول المؤسسة البرلمانية وعطّل بعض أشغالها، وأعطى صورة مهترئة للمجلس النيابي، ولمفهوم الديمقراطية التمثيلية. وقد تصل نزاعات هذا المشهد، حسب محللين، إلى ضرب النظام البرلماني في مقتل من كل الذين يعتقدون أنهم أنصاره وحماته المؤسسون، ما ينسف المشترك، ويفتح المجال لأزمة كبرى للفكر السياسي، ليبتعد من يوم إلى آخر عن ثقافة الحوار والاختلاف واللاعنف.
وقالت الأستاذة الجامعية التونسية في علم النفس والأنثروبولوجيا، إقبال الغربي، إن الدولة المدنية هي الحل الجذري لمثل هذه التوترات التي تعاني منها تونس أمام تصاعد التيارات الشعبوية، وتفشي الخطابات العدائية للغيرية التي نفضت الغبار عن قراءات وتأويلات رجعية للدستور والإسلام. وقالت إن المناخات المأزومة، ومنها الخطابات الدينية العنيفة والتكفيرية، تلعب دورا أساسيا في صناعة التطرّف والإرهاب، ذلك أن الإيديولوجيا التكفيرية والمعادية للمجتمع تنسف المسؤولية الفردية وتحرّر عدوانية الإرهاب وساديته. ولاحظ الباحث في الحضارة الإسلامية في الجامعة التونسية، سامي براهم، أن عبارة التكفير ليست من الألفاظ الشرعية، ولم ترد في أيٍّ من نصوص القرآن والسنة، تصريحا أو تلميحا، في أي أمر تكليفي، حيث لم يدع أي نصٍّ من النصوص القطعية أو الظنية إلى التكفير، أي إيجاب الحكم بكفر الأشخاص المعنيين، بل ورد في الحديث النبوي التحذير من قول أي امرئ "يا كافر" لأخيه المؤمن، من دون استعمال عبارة التكفير. وأوضح براهم أن مقتضيات اجتماعية وسياسية ومذهبية أدخلت التكفير ضمن دائرة الأحكام الشرعية المستفادة من النصوص بالتبعية عن طريق الاستنباط، من دون أن تكون ضمن دائرة الأحكام الشرعية المنصوصة.
يعتبرما حدث في البرلمان التونسي أخيرا منزلقا خطيرا إذ لم يعرف تاريخ تونس الحديث سجالا مماثلا بين أعضائه، وصل إلى هذا الحد الخطير، ولم تشهد تونس في أصعب ظروفها اتهامات متبادلة من هذا القبيل.