تونس.. حكومة الوحدة الوطنية والخريف المقبل

21 اغسطس 2016
الصورة

تونسيون يحتجون على تعيين الشاهد لرئاسة الحكومة (6 أغسطس/2016/الأناضول)

+ الخط -
يتعثر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في تونس، ولم يبق لرئيسها المكلف، يوسف الشاهد، سوى أقل من أسبوعين تقريباً، وهي المدة التي يقرها الدستور، ولا ندري إن كان الرجل سيقدر على هذه المهمة الصعبة، في وقت يبدو أن اللعبة السياسية تسحب من الفاعلين السياسيين باتجاه دوائر نفوذ تنتمي إلى عالم المال والأمن، حيت تتشكل لوبيات مصالح متشابكة، تضغط من أجل فرض رؤاها أو رجالاتها.
يتأكّد الآن، أكثر من أي وقت مضى، أن رئيس الحكومة السابقة، الحبيب الصيد، كان ضحية هذه المراكز الخفية التي دفعته إلى مغادرة القصبة، ولم يكن الرجل يقدّر بدقة حجم نفوذها، وأن الحصيلة السيئة لتجربة حكمه لم تكن سوى ذريعة لإزاحته المهينة. ويجد السيد يوسف الشاهد نفسه محاصراً في تشكيل حكومته المرتقبة بثلاث قوى سياسية جامحة:
تتمثل الأولى في الأحزاب السياسية التي قبلت المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية، وتبدو حالياً متردّدة أو أقرب إلى الانسحاب منها، ما يجعلها، في أفضل الأحوال، حكومة تحالف حزبي، لن يشمل بالكاد سوى أحزابٍ بعدد أصابع اليد، خصوصاً وقد قاطعت الجبهة الشعبية، ذات الميول اليسارية، منذ البداية، المشاورات حولها، من دون إغفال انسحاب أحزابٍ أمضت على وثيقة قرطاج، قبل أن تكتشف أن رئيس الجمهورية كان يخبئ مرشحه لرئاسة الحكومة تلك في جيبه، وربما سعى، منذ تعيينه يوسف الشاهد كاتب دولة للفلاحة في حكومة الحبيب الصيد الأولى، منذ سنة ونصف السنة، إلى تهيئته للمنصب، كما أن ترؤسه لجنة الـ 13 التي كلفت بالبت في نزاعات "نداء تونس"، ناهيك عن تعيينه كاتب دولة لم تكن سوى محطات تدرّجت به، حتى يصل إلى رئاسة الحكومة هذه. ولم يكن الرجل ليصل إلى القصبة، لولا قبول حركة النهضة به، وهي الحزب الوحيد الذي أنزل بياناً يساند فيه ترشيح رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي له، في حين اعتبرت بقية الأحزاب التي أمضت على وثيقة قرطاج أن الرئيس خدعها وجعلها أمام الأمر الواقع.
القوة الثانية، قيادات الرأي من إعلاميين ونشطاء مدنيين وفنانين، وقد أغفلها رؤساء الحكومات السابقة. وقد أبدى الشاهد حرصاً غير عادي على تدارك تلك النقيصة، وربما أراد أن يقلل من أثر مقاطعة الأحزاب، وأساسا قوى اليسار، هذه المشاورات، فبادر إلى استقبال صحافيين ومثقفين عديدين "لتبادل وجهات النظر"، وهو الذي يعلم أن لهؤلاء قدرات هائلة على تشكيل صورته في الأيام القليلة المقبلة، فضلاً عن تعبئة الرأي العام لفائدته أو ضده.
القوة الثالثة والأخيرة التي تضغط أيضاً من أجل أن يكون لها موقع قدم في الحكومة المقبلة،
هي مراكز النفوذ الخفية التي تمسك الاقتصاد والإعلام، فضلا عن أذرع موزعة في شاكلة أخطبوط، يمسك بتلابيب الإعلام والمال وشيء من الأمن والقضاء، ويبدو أن ما تسرب في الأشهر الأخيرة إلى الإعلام دليل على خطورة المرحلة التي بلغتها البلاد في هذا المضمار.
يبدو أن "النهضة" أدركت أنها، وهي تشارك في الحكم، على الرغم مما ذكرنا من التباسات وشبهات، وتقبل أن تكون شريكاً لـ "نداء تونس" في الحكم هذه المرة، إنما ترمي طوق النجاة، لا إلى رئيس الحكومة، بل إلى رئيس الجمهورية نفسه. لذلك، إنها تبحث عن تعويضٍ، يكون في حجم كل هذه المزايا، ولم تجد أحسن من عدد الحقائب الذي يتناسب مع حجمها. لم تعد "النهضة" تقبل أن تظل مشاركاً في الحكم في مرتبةٍ دونيةٍ، لا تعكس وزنها السياسي أو الانتخابي، لكنها، وهي تشارك، فإنها تأمل، هذه المرة، أن تحصد مع يوسف الشاهد نجاحه ومكاسبه، وإذا فشل يتحمل وحده الوزر، باعتباره ممثلاً لحزب نداء تونس. ربما تلوذ "النهضة" بجلباب الشاهد، لأكثر من سبب، فالرجل ينطلق، في اعتقادها، من علاقات قوية مع مصادر النفوذ وأوساط المال والأعمال، ناهيك عن علاقاته المتينة مع القوى الدولية الكبرى، وخصوصاً في فرنسا التي درس فيها، والولايات المتحدة الأميركية التي اشتغل مع إداراتها المتعدّدة، وقدم لها الخبرة في السياسيات الفلاحية تحديداً.
لا تخشى النخب حالياً من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فحسب، وقد بدأت مؤشرات البطالة في الارتفاع مجدّداً، حيث تجاوزت أكثر من 15%، ولكنها باتت تخشى بشكل خاص أن تسرق السياسة أصلاً، وتصبح في يد تلك اللوبيات، فهؤلاء، بما امتلكوا من مال وإعلام و فرق رياضية وشبكات علاقات متنفذة، استطاعوا أن يقتحموا مناطق ظلت عصية عليهم إلى وقت قريب، فدخلوا أفواجا في مجلس نواب الشعب، وهم يستعدون الآن لتعيين وزراء، حسب مؤشراتٍ عديدة.
يخيم على المشهد السياسي، حالياً، ما يشبه خريف 87، حيث تتصارع داخل قصر قرطاج، الذي يقطنه رئيسٌ هرم، أجنحة ومراكز نفوذ متعدّدة، مع فوارق مهمة بين قائد السبسي والحبيب بورقيبة، فالأخير استبعد ابنه من المشهد السياسي بكثير من الغلظة مبكراً، في حين ظل السبسي متردداً، بل أبدى كثيراً من التنازل لابنه، ولم يتعاف التونسيون بعد من مرض التوريث ولوثة العائلة.