تونس: حظوظ رئاسية متقاربة بين حمادي الجبالي ومهدي جمعة

13 سبتمبر 2019
الصورة
لا أفضلية لمرشح في الانتخابات التونسية (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
على الرغم من الاختلاف الأيديولوجي والفكري الذي يفرّق بين رئيسي الوزراء السابقين التونسيين حمادي الجبالي ومهدي جمعة، فإنّ عوامل انتخابية مشتركة جعلت من حظوظهما الانتخابية متقاربة في مسار تحقيق طموحهما في الوصول إلى رئاسة الجمهورية، في الانتخابات الرئاسية المقررة بعد غد الأحد. وتتساوى نسبياً حظوظ الجبالي وجمعة في ظلّ تجربتهما في الإشراف على الحكومة خلال الفترة الانتقالية في فترات أمنية واقتصادية صعبة، مع اختلاف في الظروف السياسية التي دفعت بهما إلى رئاسة الوزراء. وقد شغل الجبالي رئاسة الحكومة بين 24 ديسمبر/ كانون الأول 2011 و13 مارس/ آذار 2013، أما جمعة فشغلها بين 29 يناير/ كانون الثاني 2014 و6 شباط/ فبراير 2015.

ومن المفارقات السياسية أن يرأس الجبالي الحكومة بوصفه قيادياً بارزاً في حركة النهضة، التي وفّرت له حزاماً سياسياً وقتها، فيما يترشح اليوم للرئاسة بصفته مستقلاً بعد استقالته في عام 2014 من الأمانة العام للنهضة. في المقابل، فإن العكس تماماً ما حصل مع جمعة الذي وصل إلى رئاسة الحكومة مستقلاً مدعوماً من الرباعي الراعي للحوار الوطني (الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئة الوطنية للمحامين بتونس) الذي زكّاه لهذا المنصب، فيما يترشح اليوم تحت يافطة حزب البديل التونسي، الذي شكّله في عام 2017 مع وزراء سابقين وبرلمانيين.

ورجّح المحلل محمد الغواري، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، تقارب حظوظ الجبالي وجمعة مع فارق في مستوى الأداء الانتخابي والحراك الميداني. ففي وقت يبرز الحزام السياسي والحزبي لجمعة من خلال تنظيم الاجتماعات الشعبية الحافلة والدعاية الكبيرة والمعلقات الإشهارية، التي تترجم حجم الإنفاق الكبير بمشاركة فريق اتصالي محترف يدعم تحركه، فإن حراك الجبالي الانتخابي وحملته يكاد أن يكونا متوسطين بإنفاق محدود. وعلى الرغم من ذلك، فإن المؤشرات تترجم تقارب المكانة الانتخابية باعتبار أن الجبالي سيسحب من خزان النهضة الانتخابي، ومن أنصار الثورة والإسلاميين، في وقت ينهل جمعة من خزان التجمعيين والدستوريين ومن الغاضبين من نداء تونس وآفاق تونس، وهو ما بدا واضحاً لدى الكوادر المحيطة به، فضلاً عما تبيّن مع فوزه في الانتخابات البلدية الجزئية في باردو، في إبريل/ نيسان الماضي، ليزاحم بذلك النهضة على إحدى أهم بلديات العاصمة.

ورأى الغواري أن للجبالي نقاط قوة ونقاط ضعف، فيُحسب للجبالي موقفه القوي ووفاؤه لعهده والتزامه بالاستقالة من رئاسة الحكومة، عندما فشل في تشكيل حكومة تكنوقراط تقود البلاد إلى الانتخابات، في سابقة لم يعتد عليها العالم العربي. كذلك تحسب له مخالفته حتى لمواقف حزبه وضغوطه، فيما تلاحقه حصيلة من الفشل الحكومي والمطبات زمن حكمه. ولفت إلى أن لجمعة نقاط قوة وضعف أيضاً، فيحسب له أن ترأس الحكومة في فترة انتقالية صعبة، وقاد البلاد نحو الانتخابات، فيما تلاحقه بدوره الحصيلة الثقيلة من الفشل الحكومي.

وإن كان الجبالي من القيادات المخضرمة للاتجاه الإسلامي في تونس ومناضلاً بارزاً في النهضة، وتعرّض للسجن السياسي والتعذيب وحكم بالإعدام والسجن بسبب انتمائه، فإن نجم جمعة برز إثر أزمة الحكم التي عرفتها تونس في 2013، وتم دفعه باعتباره خياراً توافقياً ومستقلاً عن الأحزاب، غير أن معارضيه اعتبروه قريباً من النهضة أو مقرّباً منها، لاعتبار أنه شغل خطة وزير الصناعة في حكومة الأمين العام للحزب علي العريض التي تلت مباشرة حكومة الجبالي. وتعود أصول المتنافسين إلى الساحل التونسي فالجبالي رئيس الوزراء الـ12 في تونس، من محافظة سوسة (وسط شرق البلاد)، وجمعة رئيس الوزراء الـ14 فهو من محافظة المهدية (وسط شرق البلاد).

ويقدم جمعة نفسه بمثابة نظام الحكم الجديد والخيار الآخر، القادر على تكريس ثقافة الدولة وإعادة الهيبة لمؤسساتها، مشيراً إلى أنه سيقضي على الفوضى وسيسهر على فرض النظام والاستقرار عبر تطبيق القانون على الجميع. ويدعم جمعة فكرة الضرب بقوة على الإرهاب ومحاسبة الفاسدين والمجرمين، كما تقوم سياسته الأمنية على إعادة دور الاستخبارات والاستعلامات، معتبراً أن حلّ هذا السلك كانت له تبعات سلبية.

وأعلن جمعه رفضه التحالف مع النهضة مستقبلاً، وتعهّد بعدم الدخول في أي توليفة حكومية معهم بعد الانتخابات، مشيراً إلى أن سياسته الخارجية تقوم على الحياد عن سياسة المحاور مع اتخاذ مواقف لمصلحة تونس. وتعهّد بإعادة العلاقات مع سورية كأول قراراته الخارجية. وأكد جمعة في حوار لإذاعة "موزاييك" أن تونس تحتاج رئيساً يعرف المشاكل الاقتصادية وقادر على التفاوض، وأنه يترشح ببرنامج متكامل عمل عليه خبراء ومختصون، وأن أول ما سيفعله هو تقديم مبادرة تشريعية لإلغاء قوانين، على غرار التراخيص التي اعتبرها ''عائقاً وجب كسره''. وأضاف ''وجب تكوين الإدارة حتى تسهّل المشاريع لا أن تعيقها''. كذلك تعهد بتخفيض الجباية من 25 في المائة إلى 20 في المائة بالنسبة للمؤسسات، وتخفيض الجباية للأشخاص أيضاً، واعتماد الجباية الأسرية، قائلاً: ''كلما خفّضت الجباية زادت موارد الدولة وقاومنا التهرب الجبائي". وأعلن جمعة أنه في حال فاز في الرئاسة، سيلغي صندوق الدعم، موضحاً: ''سأحوله إلى مستحقيه من الفقراء والطبقات المتوسطة، أكثر من 70 في المائة من صندوق الدعم يذهب لمن لا يستحقه". كذلك أكد أن دور الدولة استراتيجي، مشيراً إلى اهتمامه برقمنة الدولة وإزالة المكابح، وضرورة خلق إطار تشريعي خاص بالتجارة الإلكترونية.

وعلى الرغم من تزكيته من نواب النهضة وتاريخه المتجذر، إلا أن الجبالي أعلن نفسه مستقلاً عن جميع الأحزاب، وبرر ذلك قائلاً إنه ترشح "كمستقل حتى يكون متحرّراً من كل القيود الحزبية وقيود المموّلين واللوبيات، وحتى يكون غير مرتبط بهم أو بخلفية معينة، وحتى لا يدين لأحد بترشحه ولا يضطر إلى إسناد امتيازات لأي طرف".

واعتبر الجبالي أنّ دور رئيس الجمهورية هو أن يجمع الشعب، ويبتعد عن الصراعات الأيديولوجية أكثر ما يمكن، مشيراً إلى انفتاحه على جميع الدول والشراكة مع الخارج. وقال: "أتعامل مع كل المحاور لكن بشروط، ألا تتدخل في شؤوني، خصوصاً الإمارات والسعودية، وأحيي قطر وأحيي تركيا لأنّهما أعطتا معاً في الثورة ما يقارب 3.2 مليارات دولار فيما لم تتجاوز مبالغ الآخرين 100 مليون". كذلك طرح الجبالي توحيد القيادة الأمنية وجعلها تحت إشراف رئيس الجمهورية لضمان نجاعة أكثر في حفظ الأمن العام ومكافحة الإرهاب والجريمة. ويدعم الجبالي، كما جمعة، تطبيق عقوبة الإعدام. ووعد الجبالي بإعلان حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية لمدة سنة واحدة، لاعتبارات أن البطالة وغلاء الأسعار ونقص الطاقة وتجاوز الواردات للصادرات هي قضايا تهم الأمن القومي، لافتاً إلى أنه يعتبر أن دور رئيس الجمهورية التجميع لا التفريق عبر قضايا كالمساواة في الميراث والمثلية الجنسية.

المساهمون