تونس.. تعديل صورة الرئيس

17 اغسطس 2019
الصورة
تشهد تونس انتخاباتها الرئاسية الثانية بعد الثورة لانتخاب الرئيس الخامس منذ سنة 2011 والرئيس السابع منذ الاستقلال، في مفارقة غريبة تكشف عمق التحول السياسي الذي عرفته البلاد في سنوات قليلة، فبين 1957 (سنة إعلان الجمهورية)، إلى حدود يناير/ كانون الثاني 2011 (سنة سقوط بن علي)، شهدت البلاد هيمنة رئيسين فحسب، حيث استمر حكم بورقيبة ثلاثين سنة، فيما تواصلت هيمنة زين العابدين بن علي على كرسي الحكم 23 سنة. والمشترك بين مرحلتي حكميهما هو تنكرهما للضوابط الديمقراطية التي يفترضها التحديث السياسي، خصوصا مبدأ التداول على السلطة واحترام سيادة الشعب وضمان حقوق الإنسان، والاكتفاء بالتركيز على الجانب الاجتماعي، مثل تعميم التعليم وتحديد النسل وتحسين المنظومة القانونية المتعلقة بالنساء. وكان هذا التركيز على الجانب الاجتماعي محاولة للتغطية على الأزمة السياسية التي تشق المجتمع، حيث تمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات شبه إلهية، فلم يكن دستور 1959 يضع ضوابط لنفوذ الرئيس. وعلى الرغم من المظهر الحداثي للدولة، فقد تصرف بورقيبة، من خلال نوع من التماهي بين سلطة الرئيس الدستورية ونوع من الأبوية المستقاة من الوعي الجمعي، وجاءت التعديلات التي أضافها بن علي في أثناء حكمه لتزيد في توسيع سلطة الرئيس، وتجعل منه حاكما مطلقا، لا يمكن منافسته، على الرغم من محافظته على تنظيم انتخابات شكلية (في خمس مناسبات)، إلا أنه ظل يعيد إنتاج ذاته في السلطة، ويمنح نفسه نتائج تقارب الإجماع بنسب خيالية تقارب المائة بالمائة.
بعد الثورة، تراجعت صلاحيات الرئيس. بدا الأمر وكأن النخب السياسية التونسية تخشى من عودة سيناريو التسلط الرئاسوي على الدولة. ومع تولي الرئيس الأسبق، المنصف المرزوقي، المنصب، كان من الواضح حالة الحرص التي يبديها لنزع هالة القداسة التي كانت تحيط بصورة الرئيس والرؤية الخرافية التي تقارب الأسطورة الراسخة في أذهان الجمهور العام حول طبيعة الحياة التي يحياها رئيس الجمهورية، فمن جهةٍ أصبح قصر قرطاج يشهد محاضراتٍ قدمها مفكرون وعلماء عرب، من أبرزهم عزمي بشارة وأحمد زويل. ومن جهة أخرى، فتح المرزوقي أبواب القصر الرئاسي أمام الجمهور العام، لزيارة مقر إقامة الرئيس وتنظيم رحلات مستمرة لتلاميذ المدارس الابتدائية من الجيل الجديد لمشاهدة طبيعة الحياة الفعلية للرئيس، بوصفه مواطنا يتقلد منصبا رفيعا، وليس إلها أو أحد الكائنات فوق الطبيعية.
هذا الإصرار على أنسنة موقع الرئيس، وتبسيط التراتبية السلطوية، قابلته حملة دعائية شرسة من الثورة المضادة التي حاولت تصوير سلوك رئيس ما بعد الثورة، وكأنما هو مسّ بهيبة 
الدولة، ولتستثير في الجمهور العام حالة من الشعور بالحنين إلى صورة الرئيس/ الأب، المتوارثة من الزمن البورقيبي، وهو المشهد الذي اندمج في تمثيله بشكل مقنع الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، صورة وخطابا وأسلوبا، كأنما تم استنساخه من بورقيبة، الأمر الذي مكّنه من تولي منصب الرئاسة.
بعد وفاة الرئيس قائد السبسي، وفتح المجال أمام المرشحين للتنافس على منصب الرئاسة، يمكن للمتابع أن يلاحظ بيسر التغير العميق الذي طرأ على تعامل الرأي العام مع المنصب الذي يمثل أعلى هرم السلطة في الدولة، فمن خلال تنوّع البرامج الإعلامية الساخرة من المرشحين، والنقد الحاد الذي تحفل به مواقع التواصل الاجتماعي لشخصيات المرشحين ولتصريحاتهم، وصولا إلى مظهرهم الخارجي ومستوياتهم التعليمية ومواهبهم الخطابية المتفاوتة، ينكشف انهيار تام للصورة التقديسية التي يتم تسويقها عن الرئيس، أو الحاكم العربي عموما. وعلى الرغم مما تشهده الانتخابات الحالية من محاولة بعضهم الاستفادة من النزعات الشعبوية، وتوظيفها من أجل الفوز بالمنصب، إلا أن ما هو أكيد أن موقع رئيس الجمهورية في تونس لم يعد كما كان، سواء من حيث انحسار صلاحياته الدستورية وتراجع مدى نفوذه الشخصي، وسلطانه المطلق الذي كان يتمتع به زمن الاستبداد، أو من جهة النقد الذي يتم توجيهه إلى الرئيس علنا في وسائل الإعلام، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، بما يفرض عليه نوعا من الرقابة الشعبية المباشرة، فصورة الرئيس لم تعد كما كانت، لأن الثورة تجب ما قبلها.
تعليق: