تونس تسترجع مساجدها

01 فبراير 2015
الصورة
يجب على الحكومة القيام باصلاحات في المساجد (فرانس برس)

تمكنت وزارة الشؤون الدينية في تونس من استرجاع غالبية المساجد (149 من أصل 150) الخارجة عن سيطرتها، بعدما كانت قد استحوذت عليها جماعات دينية متشدّدة إبان الثورة. ويجري حالياً استكمال الإجراءات القانونية لاستعادة جامع الزيتونة، الذي ما زال خارج سيطرة السلطات التونسية. وتأتي هذه الخطوة في إطار ترشيد الخطاب الديني وتحرير المساجد.

فبعد الثورة التونسية، أحكمت جماعات دينية متشددة قبضتها على نحو ألف مسجد من بين 5260. وبعدما ضيّقت الحكومات المتعاقبة الخناق على هذه التيارات، وشددت حكومة المهدي جمعة الرقابة على المساجد، بقي 150 مسجداً تحت سيطرة هذه الجماعات.
في هذا السياق، يؤكد رئيس ديوان وزير الشؤون الدينية، عبد الستار بدر، لـ "العربي الجديد" أن "معركة الحكومة التونسية لاسترجاع المساجد لم تكن سهلة"، مبيناً أن الوزارة واجهت صعوبات كثيرة. يوضح "كان يجب التحلّي بالصبر والحكمة. كان هناك معاناة حقيقية، ولولا تضافر جميع الجهود من ولاة وأجهزة أمنية، لما نجحنا في هذه المهمة الشاقة وتمكنا من استرجاع المساجد". يضيف "على الرغم من أهمية ما تحقق، إلا أن بعض الأئمة الذين عينتهم الوزارة كانوا يخشون الخطابة في هذه المساجد، خشية أن يتعرّضوا للاعتداء"، موضحاً أن وزارة الشؤون الدينية بذلت جهوداً كبيرة لإقناعهم بضرورة التضحية والعمل.

خلال الأشهر القليلة الماضية، منع الأئمة من إلقاء خطبة الجمعة، وطرد المؤذنين، وتم تنصيب آخرين من دون أن يكونوا مكلفين من قبل وزارة الشؤون الدينية. ويؤكد بدر أن وزارة الشؤون الدينية، وبعدما نجحت في استرجاع المساجد، تعمل حالياً على إعادة النظر في تعيينات الأئمة والمؤذنين المتشددين، بالإضافة إلى أولئك الذين نصّبوا أنفسهم من دون تكليف رسمي.
يتابع بدر "نعمل أيضاً على سد الشغور في غالبية المساجد". ويقدّر عدد المساجد لا يوجد فيها أئمة حالياً بنحو 40 مسجداً تنتشر في جميع المحافظات. يضيف أنه "تم تشكيل 24 لجنة موّزعة على 24 محافظة، بهدف إحصائها وتقديم التقارير إلى سلطة الإشراف، ما مكّن وزارة الشؤون، بعد التنسيق مع السلطات الأمنية والنيابة العامة، من استرجاعها".

يشرح بدر "كان هدفنا حصر المساجد التي اعتبرت خارج السيطرة، ثم البحث عن الأئمة والكوادر المناسبة لسد تلك الشغور". يضيف أن الجامع الوحيد الذي بقي حالياً خارج سيطرة وزارة الشؤون الدينية هو الزيتونة، مبيناً أن لهذا الجامع خصوصيته ورمزيته، كما أنه يضم هيئة علمية ويقدّم الدروس الدينية إلى الطلاب. يشير إلى أن الهيئة العلمية قرّرت أخيراً التخلّي عن رئيس الهيئة العلمية حسين العبيدي نظراً للتجاوزات التي ارتكبها، وقد تقرّر إيقاف الدروس في جامع الزيتونة لمدة 10 أيام إلى حين انتخاب رئيس جديد للهيئة. ويكشف أن وزير الشؤون الدينية قرّر تعيين إمام جديد لجامع الزيتونة، لكن العبيدي رفض التنحي والسماح للإمام الجديد بالقيام بدوره، ما أدى إلى تحويل الأمر للقضاء.

في السياق، يرى كاتب عام نقابة الأئمة بشير العرفاوي لـ "العربي الجديد" أنه لا مجال لبقاء المتشددين، وعلى الحكومة الجديدة أن تبادر للقيام بإصلاحات جوهرية في ما يتعلق بالمساجد والإطارات المشرفة عليها، محمّلاً الحكومات المتعاقبة مسؤولية الانفلات الذي عرفته العديد من المساجد في تونس. ويرى أن ملف المساجد الخارجة عن سيطرة الحكومة تم التغاضي عنه، ما سمح بحدوث تجاوزات عدة. ويكشف أن نقابة الأئمة بصدد بلورة مقترحات عملية ستقدمها إلى وزير الشؤون الدينية الجديد، آملاً أن تسعى الحكومة المقبلة إلى النهوض بالمساجد.

من جهته، يقول إمام جامع ياسين الورغي لـ "العربي الجديد" إن "الإطار الديني هو الحلقة
الأضعف. هناك ضغوط من قبل وزارة الشؤون الدينية والمواطن". يلفت إلى أن المؤذن يعمل من الخامسة صباحاً وحتى السابعة ليلاً شتاء، ومن الثالثة فجراً حتى العاشرة ليلاً صيفاً، ولا يتقاضى أكثر من مائة دولار شهرياً. ويرى أن "الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي عمد إلى جعل الإطار الديني ضعيفاً وهشاً، كي يسهل الضغط عليه وتوظيفه سياسيا". ويكشف عن أن عدداً من المؤذنين يعملون في التنظيف والحراسة، ليتمكنوا من مجابهة غلاء المعيشة وتسديد بدلات الإيجار والتكفل بأسرهم، مؤكداً أن "بن علي ذهب، لكن مخلفات نظامه ما زالت موجودة، ولم يتم القيام بالإصلاحات اللازمة حتى الآن".

دلالات