تونس تخترع

16 ابريل 2020
الصورة

في احتفال بالعاصمة بالذكرى 191 للعلم التونسي (20/10/2018/الأناضول)

اخترعت تونس فنّ الثّورة في تاريخ العرب المعاصر، ونجحت في فكّ إسار الدّكتاتوريّة، وإطاحة أحد أعتى جبابرة العرب في العصر الحديث. ولم يقف شباب تونس بعد الثّورة عند هذا الحدّ، بل رفعوا راية البلاد خفّاقة في المحافل الدوليّة والمسابقات العالميّة في مجالات الابتكار المتعدّدة، فتزايد عدد المخترعين التونسيّين في السّنوات الأخيرة، وحاز أبناء البلد مراتب وجوائز مهمّة في معارض التّقانة والاكتشافات الجديدة، في الدّوحة كما في فيينا، وفي الكويت كما في جنيف، وفي هونغ كونغ كما في باريس. وبرع أبناء تونس في ابتكار الجديد في الطّاقة، كما في التّنمية المستدامة، وفي علوم الفضاء كما في الفلاحة، وفي الهندسة الميكانيكيّة كما في الطبّ، وفي البيولوجيا كما في التّقانة العسكريّة. وغير ذلك من مجالات الإبداع كثير... 
على الرغم من محدوديّة الإمكانات، وضآلة التّمويل، وقلّة ذات اليد، وتواضع المخابر، والتّشجيع الرسمي الباهت، حوّل أذكياء تونس الضّعف إلى قوّة، ديدنهم الطّموح، وهاجسهم التحدّي، وحلمهم التألّق، وشعارهم المعلن "المستحيل ليس تونسيّا"، فأثمر البذل والإبداع التألّق والتّتويج. كان الحلم عظيما، وكان الإنجاز فريدا، باهرا، يخطف الأبصار، ويشنّف الآذان، ويحرّك الخاطر، ويهزّ القلب إعجابا بمخترعاتٍ ممتازةٍ مفيدة للإنسان ابتكرها شباب تونسيون بعد الثورة، فهذا أبدع محوّلا لتوليد الطّاقة الكهربائيّة من الرّياح بوتيرة عالية المردوديّة وغير مضرّة بالبيئة، وذاك اخترع كاشفا ذكيّا للحواجز لإرشاد المكفوفين في أثناء تنقّلهم، وسواه ابتكر "روبوت" لكشف الألغام عن بعد، وغيره أبدع صواريخ موجّهة لأغراض سلميّة، من قبيل سبر أغوار الفضاء، والتقاط الصور وقياس العوامل المناخيّة، وآخرون حوّلوا النفايات ومخلّفات النّخيل إلى تحف فنّية وأثاث منزلي، وأبدعت طالبتان أخريان قهوة صحّية مشتقّة من نوى التّمر خالية من الكافيين، تساهم في إحداث توازن نسبة السّكر في الدّم وتوسعة شرايين القلب.
وفي زمن كورونا، وجدت تونس نفسها تواجه نقصا فادحا في الأدوات الطبية، والتقنيات 
العلاجية، والوسائل الوقائية، وصعوبةً في الحصول عليها من الخارج لندرتها وغلائها، وشحّ الدول المصنّعة في تصديرها، في ظلّ انتشار الجائحة وسياسات الإغلاق الشامل. وأمام هذه المحنة، بادر طلبة الجامعات التونسية وخرّيجوها في مجالات الهندسة، والطب، والبيولوجيا، بمدّ اليد إلى وزارة الصحة، وتقديم منتجات نوعية مبتكرة مساعدة للجهاز الطبي وشبه الطبي. وفي هذا السياق، تمكّن طلبة المدرسة الوطنية للمهندسين في سوسة وأساتذتهم، بالتعاون مع كلّية الطب في الجهة، من إنتاج جهاز تنفس اصطناعي تونسي خالص، يتميّز بخاصيات عالية الجودة. ذلك أنّه يمكّن من ضخ كمّية معتبرة من الهواء والأوكسيجين في وقت قياسي، يساعد المريض المصاب بقصور رئوي في الحصول على 30 لترا من الأوكسيجين الصافي النقي. وتقدّر كلفة توريد هذا الجهاز من الخارج بستة آلاف دولار، في حين أنّ تصنيعه محلّيا لا يكلف أكثر من ألف دولار. كما تمكن مهندسون شبان في محافظة جندوبة وطلبة المعهد العالي للدراسات التكنولوجية في المدينة من صناعة روبوتات مسيّرة، مجهّزة بكاميرا، ومبرمجة للتنقل داخل أروقة القسم المخصص للمصابين بفيروس كورونا. وتؤمّن هذه الروبوتات تعقيم الغُرف، وتوصيل الغذاء والدواء إلى المرضى على نحو يُقلّل من انتشار العدوى. وسلّم الشباب منجزهم العلمي إلى المستشفى الجهوي في جندوبة. ونجح الباحثان، منذر اليحياوي (المعهد العالي للدراسات التكنولوجية في قبلي) ونجلاء بن ميلود (المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا النووية في سيدي ثابت)، في صنع آلة لتعقيم الوثائق الورقية، والأوراق النقدية، والأجهزة الطبية الدقيقة، بغاية مساعدة المؤسسة الصحية على سرعة تعقيم تجهيزات دقيقة كثيرة بطرق علمية حديثة، تضمن التخلص من كل الفيروسات التي قد تعلق بها، وتساعد في المحافظة عليها من التلف واستعمالها مدة أطول. وصنع حسام يحياوي (مدير شركة للطاقات المتجدّدة)، بالاشتراك مع شبّان المعهد العالي للدراسات التكنولوجية في محافظة القصرين، سوارا إلكترونيا يقع ربطه بتطبيقة خاصة، ويمكّن أعوان الوحدات الصحية من معرفة درجة حرارة الشخص الخاضع للحجْر الصحي، أو المشتبه في إصابته بالفيروس، وتتبع تحرّكاته عن بعد، والتدخل إذا تبيّنوا مغادرته مكان الحجْر، أو لاحظوا ارتفاعا في درجة حرارته. وفي
سياق متّصل، تعمل مجموعة من التقنيين التونسيين على تحويل قطار إلى مستشفى متنقل ليجوب المناطق المهمشة التي لا توجد فيها مستشفيات. وقال المهندس حاتم بونواس إنّ ما سمّاه "قطار الحياة" سيكون مجهزا بكل المعدّات الطبية اللازمة، إضافة إلى توفّره على مخبر تحاليل طبية، وسيحتوي على "روبوتات" للحد من الاحتكاك المباشر بين الطاقم الطبي وبقية الأشخاص، وسيُستغلّ أيضا لتأمين إيصال المساعدات الاجتماعية من مواد غذائية وغيرها إلى المحتاجين.
هؤلاء المبدعون، وغيرهم كثيرون في تونس، عانوا التّهميش في الحقب السّابقة، وما زالوا بعد الثّورة على هامش اهتمامات الدّوائر المعنيّة والسلطات الرسميّة ووسائل الإعلام العموميّة والخاصّة. ومع أهمّية ما أبدته وزارة التّعليم العالي والبحث العلمي من عنايةٍ في الآونة الأخيرة بالجهد الاختراعي، فإنّ هذه الفئة من أذكياء تونس لم تجد بعدُ حظّها من الرّعاية الموصولة، والمتابعة المستدامة المدروسة، والمساندة المركّزة، فمشاريع المخترعين لا تكاد تتجاوز أسوار الجامعة، والدّعم اللّوجيستي للمبتكرين وتمويل أعمالهم الإبداعيّة محدود، والتّثمين الإعلامي لجهودهم غائب أو يكاد. ومن المهمّ بمكان اليوم الارتقاء بالفعل الاختراعي من مستوى المبادرة الفرديّة إلى مستوى المأسسة، فمن الضّروريّ بعث مراكز تُعنى بالمواهب، وتصقل مهاراتهم، وتطوّر مبتكراتهم، وتوفّر لهم المختبرات، والدّورات التكوينيّة في الدّاخل والخارج، ومن المهمّ التنسيق بين الفاعلين الاقتصاديّين من مستثمرين ورجال أعمال وبين البحّاثة والأكاديميّين، بهدف إيجاد مصادر تمويل للمشاريع العلميّة الواعدة، وتحويلها من فكرة إلى واقع، ومن رسم مجرّد أو متصوّر ذهنيّ إلى منتج مادّي قابل للتّرويج في السّوق الداخليّة والخارجيّة، حاملا لعبارة "صنع في تونس" (Made in Tunisia).
من واجب المجموعة الوطنيّة أن تدعم هذه الطّاقات الصّاعدة، والأمر غير موكول لوزارة التّربية ووزارة التّعليم العالي فحسب، بل يُفترض أن يكون المجال مفتوحا لمساهمة متدخّلين آخرين، من مستثمرين، وصناعيين، ورجال أعمال، ومنتمين للمجتمع المدني والقليل من الملايين التي تصرفها وزارة الثّقافة لاستدعاء فنّان مشرقيّ لإحياء مهرجان أو لإنتاج أعمال درامية باهتة كاف لدعم مشروع علميّ ناشئ، والقليل من أموال الجمعيّات الرياضيّة كاف لتموّل وزارة الشّباب والرّياضة عملا ابتكاريّا أبدعه شابّ من شباب تونس. ومعلوم أنّنا نعيش عصرا تتبارى فيه الأمم في صناعة الذّكاء وإبداع المخترعات المفيدة للنّاس. والانتماء إلى مجتمع المعرفة والفعل فيه يقتضي دعم الأدمغة المبدعة، الخلاّقة لا محالة.
تعليق: