تونس بين ظاهرة عبير موسي وشعبوية قيس سعيد

29 يوليو 2020
الصورة

 

تمرّ التجربة التونسية بمرحلة من أصعب المراحل التي عاشتها منذ إطاحة نظام الرئيس الهارب زين العابدين بن علي، فمنذ قيامها وهي تواجه ثوراتٍ مضادة غرضها القضاء على مكتسباتها، واستعادة النظام السابق الذي كتم أنفاس التونسيين عقدين ونيفا. وما يحدث في تونس ليس جديدا، فكل الثورات التي عرفها العالم وجدت أمامها ثورات مضادّة، إنما الثورة التونسية وجدت أمامها ثوراتٍ مضادة عديدة، كلما تجاوزت واحدةً اعترضت طريقها أخرى. وفي اللحظة الحالية، تواجه التجربة التونسية أصعب امتحان تمر به، بسبب الأزمات السياسية المتتالية التي حالت دون تنصيب حكومة منسجمةٍ ومستقرّة، وأيضا بفعل أزمة وباء كورونا وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد، وعلى حياة التونسيين. ومعروفٌ أنه في ظل الأزمات السياسية المصاحبة لظروف اقتصادية صعبة، تنتعش الظواهر النشاز التي تنخر الأنظمة والمجتمعات من الداخل، فأغلب الأنظمة الفاشية والانقلابات ضد الثورات التي عرفها التاريخ خرجت من رحم أزماتٍ صعبة، تستغلها مثل هذه الأصوات النشاز، لتجييرها ضد الثورات ومكتسباتها، قصد الانقلاب عليها والحلول محلها. حدث هذا مع الثورة الفرنسية، وتكرّر مع ثورات عديدة واجهت ثورات مضادة، أدخلت بلدانها إلى فوضى عارمة، مهدت الطريق لبروز الفاشيات والدكتاتوريات التي تستغل ظروف عدم الاستقرار والأزمات الاقتصادية، لتقديم نفسها بديلا منقذا، ولنا في ثورات الربيع العربي عِبر كثيرة في مصر وليبيا واليمن وسورية. وتجد التجربة التونسية، وهي الوحيدة التي صمدت عشر سنوات أمام ما تعرّضت له من انقلابات وثورات مضادة، نفسها اليوم أمام أصعب امتحان تمر به، ممثلا في عودة أصوات الفاشية التي تؤلّب ضدها، وفي الخطابات الشعبوية التي تبخّس من قيمة العمل السياسي، ومن دور الأحزاب السياسية التي بدونها لا يمكن أن يقوم أي نظام ديمقراطي سليم. 

عبير موسي وقيس سعيد وجهان لعملة واحدة، مساران مختلفان لكنهما يلتقيان عند الهدف نفسه

سمحت أجواء الحرية والديمقراطية التي تعرفها تونس بظهور أصواتٍ تنادي بعودة النظام البوليسي في زمن بن علي، وتطالب جهارا نهارا بإقصاء كل معارضيها، واستئصال كل من تصفهم في خطابها ألاستئصالي بـ "الإرهابيين". زعيمة هذا التيار وصوته المستفز هي النائبة رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، والتي تجمّع حولها بقايا النظام السابق المطاح به. لا تخفي هذه المرأة عداءها الثورة التونسية، وحنينها للعهد البوليسي الذي كتم أنفاس مواطنيها، وحكمهم بالحديد والنار عقدين. وباتت تمثل ظاهرةً تهدد الثورة من الداخل، ليس فقط بسبب خطابها ألاستئصالي، أو عرقلتها، هي وفريقها النيابي، عمل المؤسسات الدستورية في البلاد، وإنما لأنها مجرد صدى لصوت أعداء الثورة في الخارج، خصوصا عرّابي الثورات العربية المضادة، حكام الإمارات العربية والسعودية، الذين يخدمون، بتواطؤ مفضوح، أجندات إسرائيل وأصوات رجعية في الغرب لا تريد أن ترى الشعوب تحقق إرادتها، وتمسك بزمام مصائرها بيدها. 

ظاهرة عبير موسي ليست هيّنة، ولا يجب التعاطي معها باعتبارها عابرة، فالشيء نفسه تكرّر مع حركة "تمرّد" في مصر التي بدأت تلقائية عند ظهورها، ترفع شعارات تصحيحية تعاطف معها حتى أنصار الثورة المصرية، نجحت في لعب دور "دوبلير" لتحريك الشارع، والتمهيد للانقلاب العسكري الذي أتى على الأخضر واليابس، بما فيهما "تمرّد" نفسها ورموزها الذين كانت تحرّكهم أذرع الثورة المضادة من الخلف، قبل أن تحرقهم نارها، وتذريهم نسيا منسيا. ليس بالضرورة أن يتكرّر السيناريو نفسه في تونس مع ظاهرة عبير موسي، عندما تُستنفد المهمة التي وجدت من أجلها، لكن الأكيد أنها وجه آخر لحركة "تمرّد" تونسية، يريدها أصحابها أن تتجلى في صورة ثورة مضادّة "ناعمة"، تنخر الهيكل من الداخل، حتى تسقطه على من فيه، بمن فيهم النائبة التي تستغل منصبها، منذ دخلت إلى البرلمان، ليس للدفاع عن مصالح من انتخبوها من أبناء الطبقات الشعبية التونسية الكادحة، وإنما بغرض مهاجمة خصومها، حتى حولت البرلمان التونسي إلى جلسات ردح وشتم في حق خصومها. ومع الأسف تجد من يصفق لها، حتى في أوساط اليسار المتكلس وبعض نخبه المهزومة. 

سمحت أجواء الحرية والديمقراطية التي تعرفها تونس بظهور أصواتٍ تنادي بعودة النظام البوليسي في زمن بن علي، وتطالب جهارا نهارا بإقصاء كل معارضيها"

الخطر الثاني الذي يتهدّد الثورة التونسية من الداخل يمثله الخطاب الشعبوي المتنامي الذي يبني مشروعيته على مهاجمة الأحزاب السياسية، والتقليل من شأنها، يمثله رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي أثبت خلال الشهور التسعة الماضية من توليه رئاسة البلاد أنه مجرّد ظاهرة صوتية فارغة، رجع صدى لصوتٍ يعيد تكرار نفسه. أول رئيس منتخب على رأس نظام ديمقراطي يفتخر بأنه لم ينتم قط في حياته لحزب سياسي، وهذا من حقه، ويفاخر بأنه "رئيس بلا برنامج"، لا يكل ولا يمل من توجيه الخطابات والإشارات التي تقلّل من أهمية العمل السياسي، وتبخّس من وجود الأحزاب السياسية، وجديد هذه الإشارات تكليف رجل تكنوقراط ليرأس الحكومة، ضاربا عرض الحائط نتائج الانتخابات التي تعتبر المعبر عن إرادة الشعب، أو على الأقل إرادة من شارك فيها. لقد جرّب التونسيون عدة عقود حكم التكنوقراط في عهد بن علي، والحكم على تلك التجربة لخصتها ثورتهم التي أطاحت ذلك النظام ورموزه التي كانت فوق كل محاسبة أو مساءلة شعبية. 

قيس سعيد مجرّد ظاهرة صوتية فارغة، رجع صدى لصوتٍ يعيد تكرار نفسه

عبير موسي وقيس سعيد وجهان لعملة واحدة، مساران مختلفان لكنهما يلتقيان عند الهدف نفسه، تحطيم الثورة من الداخل، وتبخيس عمل قوى التغيير وتنفير الناس من خطابها. كلاهما كان موجودا في عهد النظام الذي نكسته الثورة، عبير موسي مجرّد صوت مغمور في جوقة المطبّلين لعهدة رابعة للرئيس المخلوع، وقيس سعيد أستاذ جامعي ظل يبتلع لسانه أمام كل الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبها النظام السابق في حق معارضيه، ولم يُسمع له صوت، وهو فقيه القانون الدستوري المفوّه، ينتقد الخرق السافر للقانون والدستور في عهد "دساترة" بن علي. قوة صوتي عبير موسي وقيس سعيد، اليوم، يستمدانها من الثورة التونسية التي حرّرتهما من القيود التي كانت تسخّر صوت الأولى وتلجم صوت الثاني، وصداهما يصل إلينا، اليوم، لأنهما يوجدان في نظام ديمقراطي، تحميهما شرعيتهما الانتخابية، ولو استمر النظام القديم الذي يدافع كلاهما عنه بطريقته الخاصة لما قامت لهما قائمة. 

انتقاد الظواهر النشاز التي أفرزتها الثورة التونسية، وسمحت لها أجواء الحرية بالتبلور والبروز لفرض نفسها بدائل خادعة، لا ينفي المسؤولية التاريخية التي تتحمّلها قوى الثورة الحقيقية، وقوى التغيير التي أدّت، بأخطائها وإخفاقاتها وخصوماتها، إلى تردّي الوضع إلى ما وصل إليه اليوم، وأعني هنا حركة النهضة الإسلامية، والأحزاب اليسارية، وحركة المجتمع المدني والنقابات العمالية والأصوات الحرّة وقوى التغيير الحقيقية التي توارت إلى الخلف، وتركت المجال فارغا لنعيقٍ ينذر بما هو آتٍ من أسوأ.