تونس .. بين القصور الحزبي وضرورة استكمال المسار الحكومي

17 يناير 2020
الصورة
عاش الشعب التونسي يوما مشهودا، في العاشر من الشهر الجاري (يناير/ كانون الثاني)، وهو ينتظر نتيجة جلسة مجلس النواب للتصويت، بمنح الثقة أو حجبها، عن الحكومة التي شكّلها الحبيب الجملي، أو بمعنى أصح حكومة حركة النهضة. وسبق هذا اليوم مسار شاق ومتردّد وطويل ومتعثر من المشاورات بين مختلف الأطراف السياسية لتشكيل الحكومة، وكانت مشاورات أضنت التونسيين وأرّقتهم وأرهقتهم، وجعلت المشهد السياسي ضبابيا أمامهم.
لأول مرة في تاريخ تكوين الحكومات في تونس منذ الثورة، تكون النتيجة غير معلومة مسبقا، ويكون عرض الحكومة على البرلمان لنيل الثقة بمثابة الرهان غير المضمون. من المسؤول عن هذا كله؟ من المسؤول عن فشل مسار تشكيل الحكومة؟ تقع المسؤولية السياسية في هذه المرحلة التي يمليها الفصل 89 من الدستور التونسي على الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد في البرلمان، فهو مطالب دستوريا بتكليف شخصٍ يعهد له تشكيل الحكومة، وتوفير مختلف الضمانات والآليات لإنجاح هذا المسار. وبذلك يكون سقوط الحكومة أمام البرلمان إعلان فشل لحركة النهضة التي لم تنجح في أداء المهمة المنوطة بعهدتها. وهي في الواقع مهمةٌ يتحملها الحزب الفائز في الانتخابات في كل الأنظمة البرلمانية، فلهذا الحزب سلطة تقديرية واسعة في الاختيار، ويتحمّل مسؤولية حاسمة في تشكيل الحكومة وضمان الاستقرار السياسي، إذ يعتبر هذا التكليف أول اختبار للثقة التي منحه إياها ناخبوه، باعتبار أن فشل مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي في تشكيل هذه الحكومة هو بمثابة إعلان فشل للحزب برمّته، وامتحان حقيقي لمدى قدرته على حكم البلاد طوال المدة النيابية المنوطة بعهدته.
لم تُحسن حركة النهضة اختيار الشخص المكلف بتكوين الحكومة. اختارت شخصا لا يمتلك
 مقومات الحنكة والدهاء السياسي والقدرة على جمع الشتات، ولم توفر له مناخا ملائما للتفاوض، ولم تسع إلى توفير آليات إنجاح مسار تشكيل الحكومة، ودأبت كعادتها على التملص من المسؤولية والمناورة والتعويل على شق صفوف الكتل البرلمانية، إن استنفدت كل سبل فرض إرادتها ومقاربتها للحكم. وحمّلت المسؤولية للأحزاب المتفاوضة معها في فشل المفاوضات والمشاورات، بينما تقع المسؤولية على عاتقها للم الشمل ورأب الصدع وتقديم التنازلات، وإسناد مرشحها لينجح في مهمته والتراجع عن منوال الحكم والتنمية الذي طالما دافعت عنه.
وتبعث نتائج الانتخابات التشريعية رسائل واضحة إلى من يُحسن قراءتها بأن عهد التغيير والاستجابة لإرادة الشعب قد حان، وإن لا مجال لتأجيله أو الالتفاف عليه، فالشراكة في الحكم والقيادة والتسيير أضحت ضرورة ملحة. والزعامة الموهومة والتعالي والتهرّب من المسؤولية والرغبة في التغلغل في مختلف دواليب الدولة ومفاصلها وسيلة للاستحواذ على الحكم لم يعد ينفع أو يجدي، فقد ساهمت حركة النهضة في إشاعة مناخ سياسي يسوده التوجّس والخيفة وانعدام الثقة. ما أدّى إلى بروز جبهة معارضة قوية آنية وعفوية، على الرغم من تشتتها وتعارض رؤاها وتصوراتها وأيديولوجياتها، على الرغم من اختلاف منطلقاتها. اتحدت حول عدم جدارة حكومة ضعيفة تحوم حول بعض أعضائها شبهات ومآخذ، وفاقدة لحزام سياسي واسع لنيل الثقة، ولحكم البلاد في مرحلة حرجة ومتأزمة. كما توافقت حول عدم جدية حركة النهضة في إقامة شراكة حقيقية مع بقية الأطراف السياسية.
وتفضي بنا قراءة الدرس الذي مثل ضربة لحركة النهضة إلى استنتاج أن الحركة أضحت في حالة عزلة حقيقية، وهي عزلة نتاج لسلوكيات وأساليب وسياسات دأبت عليها في علاقتها مع منافسيها وخصومها السياسيين. سياسة تجعل مصير أصحابها أو شركائها في الحكم التشتت والتشرذم والدمار، فمنهج الإغراء بالمناصب والمراكز والمساومة بالملفات، وهدم كل مشروع يمثل خطرا على وجودها، لم يعد صالحا، لا سيما بعد انتخاباتٍ أفرزت فسيفساء من الأحزاب، وأقرّت غياب أغلبيات واضحة أو كتل نيابية مهيمنة.
ونجدنا أمام مسار جديد، سيقوده رئيس الجمهورية طبقا لما يقتضي الدستور التونسي، ويتحمّل 
مسؤوليته السياسية في تكليف الشخصية الأقدر لتشكيل حكومةٍ تنال ثقة مجلس نواب الشعب، وتستجيب لرؤى التونسيين وتصوراتهم وانتظاراتهم، حكومة تنحاز للشعب أكثر من انحيازها للمصالح الحزبية الضيقة، قادرة على الإنجاز والإيفاء بمطالب الثورة من تشغيل وحرية وكرامة وطنية. وسيجد رئيس الجمهورية نفسه إزاء اختبار حقيقي لقدرته على لم الشمل وتوحيد الصفوف، وشحذ القدرات والهمم. وهو اختيار يتنزل في صميم صلاحياته الدستورية، باعتباره الضامن لاستمرارية الدولة ولاستقلالها ورمز وحدتها، ويسهر على احترام الدستور، فرئاسة الجمهورية تختزل معاني واختصاصات وتحمل مسؤولياتٍ تتجاوز حدود منطوق نص الدستور، لتشمل نظاما للحكم، يكون فيه رئيس الجمهورية حَكما ومعدّلا ومصححا للمسار، كلما حادت بقية مكونات نظام الحكم عن وحدة الدولة واستمراريتها.
ويزداد هذا الاختبار جسامةً، حين ندرك أنه، في صورة فشل التكليف الثاني، لا وجود لتكليف ثالث، بل حل مجلس نواب الشعب وتنظيم انتخابات تشريعية جديدة، بما لذلك من تداعيات وتبعات دستورية وتشريعية وسياسية، في أجل أدناه 45 يوما وأقصاه 90 يوما. ويفترض تبعا لذلك أن تعاد مسارات تشكيل الحكومة نفسها على ضوء ما تفرزه الانتخابات البرلمانية الجديدة من أغلبية وأقلية ومن توازنات سياسية. وإن كانت مقتضيات الدستور واضحة ومنسجمة مع طبيعة الأنظمة البرلمانية، فإن تطبيقها في واقع سياسي متقلب، حديث عهد بالديمقراطية وبالقطع مع الأنظمة الرئاسية، يبدو متعثرا ومفتوحا على شتى الاحتمالات.
17AF8564-3BED-45F2-91F9-62638915689F
نجيبة بن حسين