تونس الجديدة والثورة السورية

01 نوفمبر 2019
الصورة
بعد الفرح الكبير الذي رافق نجاح المرشّح المستقل أستاذ القانون الدستوري المتقاعد، قيس سعيّد في انتخابات تونس، وبعد أن أدّى اليمين الدستورية، وأصبح الرئيس الشرعي المنصّب رسمياً في تونس، بات من اللازم على قوى الثورة السورية التوجّه إليه بخطاب واعٍ ومسؤول، للحصول منه على تأكيداتٍ بضرورة التمييز بين مواقف الشعوب المبدئيّة من القضايا المصيرية ومواقف الأنظمة المتاجرة بها. 
جاء الرئيس التونسي قيس سعيّد من نبض الناس العاديين وبأصواتهم، لم يكن خلفه تيّار ديني أو حزب سياسي، بل كان وراءه المواطنون التونسيون بآمالهم العريضة وأحلامهم الكبيرة وبواقعهم المرّ. هؤلاء هم الذين انتخبوه، لأنهم وجدوا فيه الضمير الحيّ المعبّر عن الثقافة الشعبية التونسية، ذات الطابع المتميّز بتزاوج قيم العروبة والإسلام الموروثة، مع قيم الحداثة التي باتت أصيلة بما يكفي في المجتمع التونسي.
سمعنا من الرئيس التونسي، قبل نجاحه، عبارات جازمة قاطعة باعتبار فلسطين قضيّة مبدئية، لا يمكن النقاش فيها، وأنّ إسرائيل دولة احتلال استيطاني لا يمكن التعامل معها، لكننا أصبنا بإحباط شديد بالقياس على كلامه بوجوب التفريق بين النظام والدولة السورية.
هنا يأتي دورنا، نحن السوريين، زرافات ووحدانا، لشرح هذه الإشكالية التي قد تغيب عن بال
 عربٍ كثيرين. يجب أن نوضّح بما لا يدع مجالاً للشك أنّ نظام الاستبداد الأسدي قد استغرق الدولة السورية خلال فترة خمسين عاماً من حكم الأب والابن. يجب أن نوضّح للعالم كلّه أنه لا توجد في سورية دولة، ولا مؤسسات دولة إطلاقاً.
ليس من أولويات الرئيس التونسي بالتأكيد مراعاة مشاعر السوريين، أو حتى مصالحهم، لكنّ السعي إلى تحقيقها من أولى أولوياتنا وأوجب واجباتنا، نحن السورييّن الواقفين على خطوط المستقبل، الطامحين بدولة سوريّة لجميع بناتها وأبنائها، دولة مواطنة تقوم على احترام حقوق الإنسان والحفاظ على كرامته، دولة فاعلة في محيطها الإقليمي والعربي، دولة ملتزمة بمبادئ القانون الدولي ساعية بجدارة للمشاركة في ركب الحضارة الإنسانية.
ثمّة أصواتٌ كثيرة خرجت من مرشّحين سابقين للرئاسة التونسية دعت إلى إعادة العلاقات مع نظام الأسد، النظام الذي قصف شعبه بالسلاح الكيميائي، وبجميع أنواع الأسلحة المحرّمة دولياً، النظام الذي دمّر المدن والقرى التي عمّرها السوريون لبنة لبنة بعرق جبينهم قطرة قطرة، النظام الذي استجلب كلّ غزاة الأرض من جيوش ومليشيات، وشرّع لها الأبواب لاحتلال سورية، النظام الذي قتل الثوّار المدنيين السلمييّن بالرصاص في الشوارع، وغيّبهم في أقبية المعتقلات الأشدّ رعباً من معتقلات النازيّة، بينما فتح أبواب سجونه للمتطرّفين الإرهابيين الذين ربّاهم في مدارس مخابراته لمثل هذه الساعة.
ما يجعل من مخاطبة السوريين الثائرين بوجه نظام الأسد للرئيس التونسي أمراً مهما هو الالتباس أو سوء الفهم الذي حصل بعد تداول جزءٍ من مقابلة تلفزيونية له، تكلّم فيها عن ضرورة التمييز بين الدولة السورية والنظام السوري. يحقّ للسوريين التخوّف من انتصار التيّار القومجي، ذي الفكر التسطيحي الذي يقف مع الاستبداد بحجّة مقاومة الاستعمار الصهيوني. هذا كلّه وغيره يجعل من مخاطبة السوريين، الثائرين بوجه نظام الأسد، الرئيس التونسي أمراً مهما ولازماً.
تونس التي منها انطلقت شرارة ثورات الربيع العربي، معلنة بدء عصر الكرامة والحرية للشعوب العربية، تونس التي استطاع شعبها تجاوز أزمات وجوديّة كثيرة بجدارة، تونس التي وقف فيها الجيش الوطني مع الشعب ضدّ إرادة الحاكم الديكتاتور، تونس التي ألهمت شعوب المنطقة، وألهبت مشاعرها، تونس التي أعطى شعبها للعالم أجمع دروساً بالمسؤولية الوطنيّة والالتزام العميق بقضايا الأشقاء في العروبة والإنسانية. تونس هذه تحتاج منّا أن نوضّح لرئيسها ولشعبها أنّه ما من فرقٍ بين النظام والدولة في سورية، وأنّ إعادة العلاقات مع نظامٍ قتل مليوناً من شعبه، وشرّد عشرة ملايين آخرين بين الداخل والخارج، تعني قتلاً من نوعٍ ثانٍ ليس فقط للشعب السوري، بل وللتونسي أيضاً.
هتف قيس سعيّد لفلسطين، كما هتفت شعوب المغرب والجزائر وتونس ومصر وسورية ولبنان 
والعراق واليمن وكلّ الشعوب العربية، لكنّه يجب أن يعلم أنّ هذه الشعوب لم تعد عمياء صمّاء بكماء، كما كانت تصوّرها أنظمة الاستبداد، بل باتت تعرف من هو نصير الحريّة والكرامة، ومن هو المدافع الحقيقي عن إرادة الشعب الفلسطيني بالتحرّر والاستقلال، ومن هو السبب الرئيس والمساند الأساس لبقاء هذا الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الأبشع في التاريخ. ولسنا في وارد استحضار شواهد من التاريخ القريب على مجازر نظام الأسد الأب ولا نظام ابنه بحق الفلسطينيين وقضيّتهم، فهي أبشعُ من أن تُنسى، وأكبر من أن تُطمر تحت ركامِ خطابات المقاومة الزائفة.
سنخاطب فيك روح الثائر وضمير الإنسان وعقل المفكّر وقلب العروبي واعتقاد المؤمن، قبل أن نخاطب صفة الرئيس ومقام الرئاسة. وكلّنا أملٌ أن تكون تونس الجديدة مع سورية التي نطمح جميعاً لبنائها بمساعدة أشقائنا في العروبة والإنسانيّة. فهل تسمعنا يا سيدي الرئيس؟