تونس إلى الانتخابات ومخاوف على الديمقراطية

04 اغسطس 2019
الصورة
على وقع حملة انتخابات رئاسية سابقة لأوانها في تونس، ممزوجة بمناخ الحداد على رحيل الرئيس الباجي قائد السبسي، أغلقت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات باب تلقي مطالب الترشح للانتخابات النيابية، التي ستجري يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، وكانت الحصيلة وفيرة: 1592 قائمة، منها 695 حزبية و707 مستقلة و190 ائتلافية، يترشح هؤلاء لعضوية برلمان يضم 217 نائباً. في الوقت نفسه تقريباً، فتحت الهيئة أبواب تلقي الترشحات للانتخابات الرئاسية التي يبدو أنها ستكون مشوّقة في ظل تعدّد المترشحين، وتباين أصولهم الاجتماعية ومساراتهم السياسية والفكرية.
بالمقارنة مع انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011، أو التشريعية في 2014، تسجل القوائم المستقلة لأول مرة تفوقاً ملحوظاً، كما استطاعت عشرة أحزاب فقط من نحو 223 حزباً أن تغطي جميع الدوائر الانتخابية وعددها 33 قائمة، كما اكتفى 175 حزباً بتقديم قائمة واحدة (دائرة وحيدة)، في حين لم تقدم عشرة أحزاب أيّ مترشح لها. ويقدّم هذا الانتشار للأحزاب، ولو بشكل عام، صورة بانورامية عن الخريطة الحزبية وميزان القوى الذي يحكمها، إذ تظل عشرة أحزاب فقط الأكثر حضوراً على الأرض، بقطع النظر عن البدائل والأفكار التي تطرحها. نصف هذه الأحزاب تقريباً ولد بعد انتخابات 2014، وهي إما حصيلة انشقاقات، على غرار حزب تحيا تونس، أو نتيجة "تلقيح اصطناعي" لم يخل من التعسف، على غرار حزبي أمل تونس وقلب تونس وغيرهما. ولدت هذه الأحزاب بشكل قيصري متعسّف أسابيع قليلة قبل فتح السباق الانتخابي، في سياقٍ ما زال يلقي بظله على نزاهة العملية الديموقراطية، في ظل شبهاتٍ تتعلق باستغلال العمل الخيري والجمعيات، فضلاً عن المال والإعلام.
لم تخل الأيام الأخيرة من مفاجآت أبانت عن قيم ومعايير، تؤشر إلى الثقافة السياسية التي توجه السلوك السياسي للفاعلين، فلقد شهدت الأسابيع الأخيرة انتقالاتٍ لزعامات حزبية من حزب إلى آخر. ولعل أبرز هؤلاء الفارّين من حزب نداء تونس، بعد وفاة مؤسّسه الباجي السبسي، وانتقال أمر الحزب إلى ابنه حافظ قائد السبسي، الذي صرّح أخيراً بأنه سيتفرّغ لحراسة المعبد، متجاهلاً أن هذا المعبد سينهار تدريجياً، وقد يقع على السبسي الابن نفسه بين لحظة وأخرى. لقد نزحت بعض قياداته، ومنهم رئيس كتلته النيابية، إلى حزب جديد ظهر قبل أسابيع، حين صادق مجلس نواب الشعب على قانون يمنع رؤساء الجمعيات من الترشّح، قبل أن يرفض الباجي السبسي التوقيع على هذا القانون، في سياقات غير دقيقة، تتعلق "بحالة العجز ومرض الموت" التي قد تكون وراء ذلك. لا يختلف كثيراً أمر مديرة الديوان الرئاسي سابقاً، التي ترحلت خلال المدة النيابية الفارطة بين مناصب عديدة (وزارة السياحة..)، لعل آخرها مديرة ديوان رئاسة الجمهورية، ثم استقالت لتتفرّغ لتسيير حزب نداء تونس، قبل أن تستقر أخيراً في حزبٍ "استعارته" لصناعة وهم "أمل تونس".
تحدث وقائع غريبة في هذا السباق الانتخابي المحموم، من قبيل إتيان سلوكات تدمر الثقة في 
الطبقة السياسية، وتشوّه القيم السياسية التي تشكل الأرضية الصلبة لأي ديمقراطية فتية. يقتحم المال والإعلام المشبوه الحقل السياسي، وتُزرع فيه الزبونية حتى الإذلال، وتُشترى الضمائر والألسن. يحدث تباين واضح بين المترشحين، بقطع النظر عن أحزابهم وأفكارهم: مترشحون قدموا من عالم المال والإعلام والأعمال يسطون بما ملكوا إلى حدّ البطش على الديموقراطية، ضمن نزعات شعبوية تختزل المشكلات والحلول، وتقدّم وعوداً سحرية. ولكن يعمدون في ذلك كله إلى تأثيم "رجال السياسة" بالمعنى التقليدي للكلمة. لا ينطق هؤلاء في خطاباتهم النادرة مفردة الثورة، بل لا يعترفون بها أصلاً. ومترشحون آخرون من السياسيين "المحترفين" تناحروا وتنافروا وأخطأوا، حتى فقدوا مصداقيتهم تقريباً. لا أحد ينكر تضحيات بعض هؤلاء، وخصوصاً قبل الثورة، ولكن ضحالة المنجز إن حكموا ورصانة القول إن عارضوا خانتهما.
لا ندري لمن ستكون الغلبة في آخر مشوار للسباق الانتخابي الذي اندلع صاخباً مربكاً ومحرجاً. ولكن يبدو أن الخاسر الأكبر هو الديمقراطية والانتقال الديمقراطي بالذات، التي تسلطت عليه النزعات الشعبوية والمال أو الإعلام المشبوهة.
ليست الديمقراطية مجرد سباق، سيكون فيه الفائز هو الأقدر على حشو الصندوق بأوراق لصالحه، فهذا سلخ للديمقراطية ونزع جوهرها: إرادة شعب حرّ يختار حاكميه. حين يسلب المال والديماغوجية إرادة الناخبين، ويزيّن لهم حكامهم وهماً خلاف ذلك، فإن الديمقراطية تظل مشوهةً فاقدة جوهرها. وما أكثر الحالات التي تحولت فيها الديمقراطيات إلى استبداد أو فساد. ولذلك تكفر الشعوب أحياناً بالديمقراطية، حين يتم اغتصابها وترذيلها. ما زال السباق طويلاً ومشوقاً. ولكنّ ثمّة غباراً في الطريق، قد يحجب الرؤية في مسار انتقالي هو أصلاً متعثر.
تعليق: