تونس .. أيَ مستقبل لحكومة الفخفاخ؟

الصورة

لحكومة التونسية مع الرئيس قيس سعيد (27/2/2020/الأناضول)

يسود اللغط في المشهد السياسي التونسي بشأن مستقبل حكومة إلياس الفخفاخ، حيث بات الغموض يكتنف مصيرها، وهي التي لم يمض بعدُ على ولادتها العسيرة مائة يوم! واجهتها أزمة كورونا الحادة وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، ولكن صراعات سياسية سبقتها واستمرت معها بين قرطاج (قصر رئاسة الجمهورية)، وباردو (قصر مجلس نواب الشعب)، ومناكفات بين أحزاب البرلمان، ثم أحزاب الحكومة، حركة النهضة وحركة الشعب وتحيا تونس والتيار الديمقراطي.
واضح أن ما يشغل الحكومة غير ما يشغل هذه الأحزاب التي تآلفت لتشكيلها، إذ يبدو أن هذه تغرد في سرب، ويغرد رئيس الحكومة خارج هذا السرب، فقد أقر بتسجيل تراجع في نسبة النمو الاقتصادي بحوالي سبع نقاط مقارنة بالعام الماضي، بما سيؤثر على التوازنات المالية، وقال إن حكومته وضعت برنامجا للإنعاش الاقتصادي.. وقد لمّح في 20 من الشهر الماضي (مايو/ أيار)، إلى كارثة اقتصادية تنتظر التونسيين المنشغلين بجائحة كورونا وتأثيراتها الصحية. وكان الأمل عند إعداد ميزانية 2020 في رفع نسبة النمو الاقتصادي من 1% إلى 2.7%. وبمفاجأة أزمة كورونا توقع صندوق النقد الدولي تخفيض النسبة إلى 4.3% سلبي، وهو رقم لم تشهده تونس منذ استقلالها (1956)، ما يعني ارتفاعا في نسبة البطالة إلى 20% وعجزا في تغطية نسبة الإنفاق، واقتطاعا من موارد التنمية لتغطية نفقات الأجور ومحاولة الوفاء بالتزامات تجاه معضلة التداين والدائنين.
التداعيات الاقتصادية القاسية لأزمة كورونا لم تؤجلها تحدّيات الواقع المعيش لفئات تونسية عديدة، حيث انطلقت احتجاجات شعبية، بدا معها الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر النقابات)، متردّدا وغير مهيَأ لما وقع، ما يشي بأن أم النقابات بدت مرتبكة وفاقدة للتنسيق والسيطرة على نقاباتها الأساسية في أغلب الجهات. ما جعلها تعيد الكُرة إلى ملعب الحكومة، وتحملها المسؤولية إزاء بعض قراراتها، حيث وصل الأمر بالأمين العام للاتحاد، نور الدين الطبوبي، إلى لدعوة إلى حل البرلمان، والمضي إلى استفتاء شعبي عام، منددا بغياب ثقافة التضامن داخل البرلمان، واستهتار الأخير بما آلت اليه الأوضاع الاجتماعية.
وسياسيا، يتسم المشهد بما أصبح معلوما من تضارب المصالح والصلاحيات بين البرلمان 
والحكومة ورئاسة الجمهورية. وكان المؤمَل أن تنهي منظومة الحكم الجديدة صراع الصلاحيات الذي انفجر سابقا بين رئيس الجمهورية الراحل الباجي السبسي ورئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد. ولئن اتسمت بداية العهدة الحالية بالهدوء النسبي، فسرعان ما ظهر الخلاف بين باردو وقرطاج، ولم يعد خافيا، ويرجع بعضهم أسبابه إلى طبيعة النظام السياسي، وإلى الرغبة المضمرة لدى رئيس الجمهورية، قيس سعيد، في إقامة مشروعه للحكم المحلي، وإلى رغبة يضمرها رئيس البرلمان راشد الغنوشي في مسك زمام المبادرة في الحكم، وخصوصا ممارسة السياسة الخارجية. وقد سبق هذا الخلاف المعلن خلاف آخر بين الحكومة وجزء من البرلمان، بسبب التفويض للحكومة لمكافحة فيروس كورونا، فقد كان التفويض محل أزمة بين أحزاب الائتلاف الحاكم أنفسهم، إثر سعي حزبيْ الشعب والتيار الديمقراطي لتمكين رئيس الحكومة من صلاحياتٍ لا علاقة لها بالحرب على كورونا، بقدر ما تشكل "تغولا" محتملا لرئيس الحكومة.
وقد رأى ملاحظون في التوتر الحادث أثرا لتدخلات خارجية، بعد تغير وقائع المشهد الليبي التي مست من معنويات المساندين للواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا. وقد سعى رئيس الجمهورية إلى التهدئة، ولكن نيرانا صديقة جاءت من ناحية الائتلاف الحاكم (حزب الشعب والتيار الديمقراطي)، أشعلت فتيل الأزمة من جديد. فيما استغلت مؤسسات إعلامية إماراتية وسعودية ومصرية ما تردّى فيه الوضع لتنشر بين التونسيين بأن المرحلة سوداء، والخلاص يكمن في إطاحة البرلمان والدعوة إلى جمهورية ثالثة. وفي سياقات هذا الوضع المتأزم، شرعت شخصيات سياسية ومنظمات مدنية في الاعتصام في مقر البرلمان، مستحضرة اعتصام الرحيل 2013، الذي أسقط حكومة الترويكا المشكَلة من النهضة ومن حزبي المؤتمر والتكتل، بغرض حل البرلمان وإسقاط الحكومة.
وبدت حكومة الفخفاخ في مواجهة قاسية لعواصف عاتية، مع تراجع معدل النمو بسبع نقاط في ظل توقَف الإنتاج في قطاعات حيوية، أهمها الفوسفات والسياحة، وتجاوز نسبة المديونية 80%، علاوة على ارتفاع نسبة الفقراء والمهمشين، إذ أعلن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن "27% من التونسيين ممن هم في حالة هشاشة أو هشاشة شديدة إزاء الفقر". كما كشفت أزمة كورونا أن صناعيين عديدين يعملون على الهامش، ما يجعلهم أكثر عرضة للضرر الاقتصادي للأزمة، بل إن عددا منهم، بحسب المنتدى الاقتصادي والاجتماعي، قد حاول الانتحار بعدما فقد موارد قوته.
ملفات حارقة تواجهها حكومة الفخفاخ كانت متوقعة في سياق سياسي، سمته العنف والاتهامات المتبادلة والدعوات الملتبسة لإسقاط البرلمان وإذكاء الفتنة بين مكونات الحكم. وما يُخشى عليه ليس مصير الحكومة فحسب، وإنما مصير الدولة. في ظل غياب أخلقة سياسية وثقافة تضامنية، بعيدا عن ثقافة الفوضى والغنيمة، فهل تصمد حكومة الفخفاخ إزاء هذه التحديات؟
تعليق: