تونسيون ينعشون أسواق الأعشاب الطبية

تونسيون ينعشون أسواق الأعشاب الطبية

21 اغسطس 2017
الصورة
في سوق البلاط (العربي الجديد)
+ الخط -

يتمسّك بعض التونسيين بالأعشاب، إذ كان الأجداد يلجأون إليها كعلاجات طبية. بالنسبة إليهم هي أنفع من تلك الكيميائية، وهو الأمر الذي ينعش عشرات أسواق الأعشاب التي تنتشر في معظم المحافظات التونسية

ما إن تدخل أحد الأزقة الضيقة في المدينة العتيقة من العاصمة تونس وتبلغ سوق البلاط، حتى تشمّ رائحة أعشاب طبيّة مختلفة تنبت في المناطق الجبلية. بعض من تلك الأعشاب عُلّق على واجهات المحلات، فيما عُرِضت أنواع أخرى في أكياس رُصفت على أرضيات المحلات أو أمامها، كُتب على كلّ واحد منها اسم ما يحويه. ونادراً ما تعود خائباً ولا تجد ضالتك من تلك الأعشاب التي كانت وما زالت تستخدم في علاج بعض الأمراض.

في محلّه الذي غصّت واجهته بمختلف أنواع الأعشاب، رصف علي أكياس الأعشاب المجففة كالبابونج والمرمية والبنفسج والدباغ وغيرها من تلك التي تحمل أسماء غريبة. قد تجهل أنت منافع بعض تلك الأعشاب، إلا أنّ الباعة بمعظمهم يعرفون جيداً كل نبتة واستعمالاتها وفوائدها. ويشير علي، الذي ورث المهنة عن أبيه، إلى أنّ تجار الأعشاب بمعظمهم هنا توارثوا تلك التجارة أباً عن جدّ، وورثوا معها المعرفة حول نفع كل نبتة والأمراض التي تشفيها.

أمام أحد تلك الدكاكين، ينتظر عبد الرحمان غربي دوره لشراء بذور الخطمي أو الختمية. وقد نصحه أحد أقاربه بتلك البذور التي تشفي من البهاق نظراً إلى عدم توفّر دواء لهذا المرض، وهو لم يرَ "ضرراً في تجربة الأمر طالما أنّني سوف أضعها على أماكن الإصابة بالبهاق ولن أشربها".



وسوق البلاط في تونس يُعَدّ أكبر وأشهر سوق لبيع الأعشاب، ويشير التجار إلى أنّه يعود إلى العهد الحفصي. يعمل فيه عدد من التجار المتقدمين في السنّ. ويقول عمر، الذي يعمل منذ أكثر من 40 عاماً في هذا السوق، إنّه اكتسب الخبرة عبر الاطلاع على بعض الكتب التي تحتوي على وصفات طبيعية لعلاج بعض الأمراض بالأعشاب، مثل البوخة وجوزة الطيب والبيلسان والحدش وغيرها. وهو حفظ أسماءها كلها عن ظهر قلب، وحفظ فائدة كل واحدة منها، ويقدّم النصح أحياناً إلى بعض من زبائنه الذين يقصدونه سائلين عن علاجات لأمراض يعانون منها. ويشير عمر إلى أنّ "بعض تلك الأعشاب يُجلَب من قلب الصحراء التونسية، وتجلب أخرى من الجبال في الشمال الغربي، فيما تُستورَد أنواع أخرى غير متوفّرة في تونس من أفريقيا وباكستان وإيران والسعودية والمغرب".

أعشاب متنوعة (العربي الجديد)


ويؤكد عمر على أنّ "زبائن تلك المحلات ليسوا من البسطاء فكرياً أو من الفئات الاجتماعية محدودة الدخل فحسب. في بعض الأحيان، يقصدنا زبائن ميسورون إذا يئسوا من علاج بعض الأمراض. هؤلاء يبحثون عن أعشاب لمعالجة بعض الحالات، كالعقم والبرود الجنسي والقصور الكلوي وحتى الأمراض السرطانية". يضيف أنّ "نوعية الأمراض التي يشكو منها زبائنه تختلف بحسب الفصول. ففي الصيف، تنتشر الأمراض الجلدية، كحبّ الشباب وتساقط الشعر، في حين تكثر في الشتاء أمراض الروماتيزم وضيق التنفس والزكام، وفي الخريف أمراض الكلى والمجاري البولية". ويوضح عمر أنّ "في السوق نحو ثلاثة آلاف نوع من الأعشاب تستعمل كأدوية تساعد على معالجة الأمراض النفسية والباطنية والجلدية وحتى بعض الأمراض المستعصية والمزمنة".

ويعالج العطارون في الأسواق القديمة من يقصدهم دون إطار قانوني ينظّم المداواة بالأعشاب كنوع من أنواع الطب البديل المعترف بها رسمياً من قبل وزارة الصحة. ويُقبِل التونسيون منذ القدم على التداوي بالأعشاب الطبيعية التي تحتل مكانة هامة لدى جزء من المجتمع، إذ يؤمنون بأنّها تمنح الشفاء من أمراض قد يعجز الأطباء عن معالجتها، وذلك من دون أن تكون لدى معظمهم أيّ معرفة حول أنواع تلك الأعشاب أو اطلاع على دراسات أتت لصالح هذا النوع من العلاجات. وهؤلاء لا يفكّرون في ما إذا كانت سلامتهم على المحكّ، فهم يسمعون فقط عن تلك الوصفات سواء من الإنترنت أو المقرّبين من دون السؤال عمّا إذا كانت ذات فعالية أم أنّ الأمر مجرّد دجل وبيع أوهام للمرضى.

في السياق، يقول الدكتور محمد عزاز، وهو طبيب عام، إنّ "الناس بمعظمهم يجمعون على مقولة: إن لم تنفعني تلك الأعشاب فهي لن تضرّني. ويتجاهلون الأضرار التي قد تنتج عن مزج بعضها ببعض أو عن الإكثار من تناول أخرى أو عن تسببها في مرض آخر غير ذلك الذي تعالجه". ويوضح أنّ "ثمّة أعشاباً سامة لكنّ الناس يجهلون خطورتها فيستهلكونها بكثرة، الأمر الذي يعرّضهم لأضرار. كذلك، فإنّ مزج بعض أنواع الأعشاب وغليها قد يؤدّيان إلى تسمّم". ويشير إلى أنّه عاين "حالات تسمم عدّة سببها مزج بعض أنواع الأعشاب". يضيف أنّ "البعض يستعمل تلك الأعشاب من دون التقيّد بمقادير محدّدة، فالإكثار من بعضها قد يتسبّب في جفاف الكلى أو ارتفاع ضغط الدم. لذا فإنّ التداوي بالأعشاب يتطلب معرفة كافية ودقيقة بالمواصفات والاستعمالات والمضاعفات، لا سيما من قبل الذين يخضعون إلى علاج كيميائي ويتداوون بالأعشاب في الوقت نفسه".