تونسيون يتشاركون السيارات الخاصة

07 مايو 2019
الصورة
"كوفواتوراج" منتشر في البلدان الأوروبية (ألان دونانت/ Getty)
+ الخط -

في نهاية كل أسبوع، تزور رانية الذويبي أهلها في صفاقس بجنوب تونس. وفي كلّ مرّة تلجأ إلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي للبحث عن سيارة خاصة تقصد الوجهة نفسها فتتشاركها مع آخرين. وأسلوب التنقل هذا عبر تقاسم السيارات الخاصة راح يشيع في البلاد، لا سيّما أنّ تونسيين كثر يبحثون عن وسائل نقل أكثر راحة من تلك العمومية مع كلفة مقبولة. وتقول رانية التي تقطن في العاصمة تونس، لـ"العربي الجديد"، إنّ "طول الانتظار في محطات النقل العمومي، خصوصاً في مواسم الأعياد، هو ما يدفعني إلى تشارك السيارات الخاصة مع آخرين". بالنسبة إليها: "لا مشكلة في القيام بذلك مع أشخاص غرباء عنّي، ففي النقل العمومي نضطر كذلك إلى الركوب مع أشخاص لا نعرفهم".

يُعدّ تشارك السيارات الخاصة أو "كوفواتوراج" مثلما يطلق عليه التونسيون أو "كار بولينغ" بالنسبة إلى آخرين، طريقة تنقّل بريّ يتشارك فيها أشخاص سيارة خاصة واحدة، علماً أنّهم لا يعرفون بعضهم بعضاً ولا تربطهم علاقة صداقة ولا قرابة ولا حتى زمالة. هؤلاء يبحثون عن سيارة لها وجهتهم نفسها، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في مقابل بدل لا يتجاوز عادة كلفة ركوب وسيلة نقل عمومية. يُذكر أنّ مجموعات عدّة باتت لها صفحاتها الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، ينشر من خلالها أصحاب السيارات الخاصة وجهاتهم ومواعيد رحلاتهم، فيتواصل معهم من يقصد الوجهة نفسها ويرغب في تفادي رداءة خدمات النقل العمومي. وتشارك السيارات الخاصة لم يعد محصوراً بالرحلات بين المدن أو المحافظات، بل يلجأ إليه البعض في داخل المدينة نفسها لتسهيل عمليات التنقل من المنزل إلى الجامعة أو المدرسة أو العمل.

طارق الفايدي يلجأ إلى تلك العملية في معظم تنقلاته في البلاد، لا سيّما إلى المهدية الواقعة في جنوب العاصمة تونس. يخبر الفايدي "العربي الجديد"، بأنّه يتواصل مع "أشخاص ينشرون على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي مشاركتهم سياراتهم الخاصة مع من يرغب في ذلك"، مشيراً إلى أنّها "طريقة أكثر ضماناً وراحة من النقل العمومي، وقد بنيت من خلالها عشرات الصداقات". ويشرح أنّه "في خلال الرحلات التي تجمع سائق السيارة ومرافقيه الأربعة، تكثر الأحاديث والنقاشات، وتُنسج علاقات كذلك".




القانون التونسي يمنع أصحاب السيارات الخاصة من نقل الأشخاص لقاء مقابل مادي، إلا أنّ عدداً لا بأس به من المواطنين يعمد إلى ذلك، والهدف ليس الربح المادي بل تقاسم كلفة البنزين والتخفيف من وطأة ساعات الطريق الطويلة. والأمر ينتشر في معظم مدن تونس ومحافظاتها، من دون أن يتمكّن أعوان الشرطة من اكتشاف الأمر. ركّاب السيارات يصرّحون غالباً بأنّهم إمّا أصدقاء وإمّا زملاء في العمل.

قبل أيّام، أعلن مدير عام النقل البري في تونس الحبيب عمار، أنّ "ظاهرة كوفواتوراج" صارت منتشرة جداً في البلاد، على الرغم من أنّها مخالفة للقانون، إذ إنّ هذا النشاط هو كناية عن أداء خدمة لقاء بدل لكن من دون رخصة، وهو ما يعرّض من يمارسها إلى غرامات مالية تصل إلى 250 دولاراً أميركياً. وقد أثار تصريح عمار جدالاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي وانتقاد المواطنين الذين راحوا يتناولون رداءة النقل العمومي، متحدثين عن اضطرارهم إلى مثل هذا النوع من النقل البري، لا سيّما في المواسم والأعياد التي تشهد ضغطاً كبيراً على النقل العمومي.

وقد دفع ذلك الجدال وزير النقل هشام بن أحمد إلى التصريح بأنّ تشارك السيارات الخاصة غير ممنوع خلافاً لما صرّح به مدير عام النقل البري، مشيراً إلى أنّ الوزارة في صدد إعداد مشروع قانون جديد خاص بالنقل سوف يكون جاهزاً في خلال شهر يونيو/ حزيران المقبل، ليعرض على مجلس الوزراء ثمّ البرلمان.




من جهتها، عبّرت جمعية تونس للسلامة المرورية عن استغرابها من تصريحات المدير العام للنقل البري حول ما سمّاه "ظاهرة كوفواتوراج'' وتعارضها مع القوانين المعمول بها وتغريم المخالفين. بالنسبة إليها، فإنّ ما يُعرف بـ"كوفواتوراج" ليس ظاهرة ولا يمكن بأيّ حال أن يكون نشاطاً مقابل بدل، بل هو يدخل ضمن الحلول التي تستنبطها المجتمعات في إطار التشارك والتكافل وتقاسم محدود للأعباء. وأشارت الجمعيّة إلى أنّ ''كوفواتوراج'' ممارسة منتشرة في البلدان المتطوّرة مثل البلدان الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، مضيفة أنّ "ما أفرزته الأوضاع المعيشية للمواطن التونسي من غلاء وارتفاع كلفة الحياة والنسق التصاعدي للأسعار يجعل من الكوفواتوراج نوعاً من الحلول التي تساهم في حل معضلة النقل بين المدن وفي الأرياف التونسية".

دلالات