تونسية تنجح في البكالوريا بعمر 49 عاماً

05 اغسطس 2020
الصورة
أكبر من بقية التلاميذ بثلاثين عاماً على الأقل (العربي الجديد)

تمكنت التونسية عفاف عبد الجواد، البالغة من العمر 49 عاماً، من النجاح في امتحانات البكالوريا (الثانوية العامة) في الدورة الرئيسية، هذا العام، في اختصاص شعبة الآداب 

على الرغم من انقطاعها عن الدراسة منذ عام 1995، قررت التونسية عفاف عبد الجواد (49 عاماً) خوض امتحانات البكالوريا (الثانوية العامة) عن طريق الترشح الفردي. وهكذا، لم تحظَ بأيّ حصص مدرسية أو دروس خصوصية، بل اعتمدت على نفسها في جمع المراجع والدروس، ما مكّنها في النهاية من النجاح والتألق، وتحقيق شعارها: "لا يأس مع الحياة".

عفاف أمّ لأربعة أبناء، وهي من معتمدية دوز، بمحافظة قبلي، جنوبي تونس، حِرفية تعمل في مجال الصناعات التقليدية، وقد سبقت لها المشاركة في معارض عدة، لكنّ حلمها في الدراسة ظلّ يشغلها، وكان الحصول على شهادة البكالوريا الهدف الذي لطالما أرادت تحقيقه. ولم يمنعها انقطاعها الطويل عن التعليم بعد الزواج والإنجاب من الدراسة مجدداً، والمشاركة بصفة فردية مترشحةً في اختصاص الآداب، الشعبة التي أسَرتها لما لها من شغف وحب للغة العربية، هي التي كانت تطالع القصص بنهم، وتقرأ الشعر.
تشير عفاف، في حديثها إلى "العربي الجديد" إلى أنّها شاركت في امتحانات البكالوريا عام 1994، لكنّها لم توفق حينها، فتزوجت وكونت أسرة وأنجبت أربعة أبناء، وانقطعت بذلك عن الدراسة لأكثر من ربع قرن، لكن بمجرد وصول ابنتها إلى البكالوريا، انتابها شعور غريب، وتجددت لديها الرغبة في الدراسة. تضيف أنّها كانت تشعر دائماً بأنّ شيئاً ما ينقصها، وأنّ لديها حلماً مؤجلاً، فقررت خوض التجربة في العام الماضي مع ابنتها، وأمضتا فترة المراجعة معاً بالرغم من اختلاف شعبتيهما، فقد كانت ابنتها في الشعبة العلمية. وبينما نجحت الابنة يومها فشلت الأم، لكنّهما مع ذلك عاشتا الفرحة واحتفلتا بذلك النجاح.
وتتابع عفاف أنّ رسوبها العام الماضي لم يحبطها، خصوصاً أنّ مجموع العلامات الذي حصلت عليه كان مشجعاً. وقد تشبثت منذ ذلك اليوم أكثر بالحصول على البكالوريا، فكانت تجمع الدروس من التلاميذ بحكم اكتفائها بالدراسة في المنزل فقط، فلم تشترك في أيّ حصص للمراجعة أو تتلقى الدروس في معهد مع التلاميذ، لافتة إلى أنّها كانت تحصل على الامتحانات السابقة عبر الإنترنت وتحاول الإجابة عن أسئلتها. وتروي عفاف كيف أنّها كانت تراجع تارة في المطبخ، بينما تطبخ، وتارة أخرى أثناء أداء مهام المنزل، لكنّ أفضل فترة كانت المراجعة في الصباح الباكر أي قبل أن يستيقظ الأبناء، وعندها يكون الهدوء شاملاً والتركيز فعالاً. تضيف أنّها كانت تطالع مواد كثيرة، وقد لاقت تشجيعاً كبيراً من زوجها، كما من والدها خصوصاً، الذي ثمّن رغبتها، وحفّزها لتحقيق حلمها. 
تشير إلى أنّ معظم المحيطين بها دعموها، بالرغم من استغراب بعضهم وتساؤلاتهم المستمرة حول سبب إصرارها على إجراء امتحانات البكالوريا، في مثل هذه السنّ بعدما كبر الأبناء، لافتة إلى أنّ ثقتها بنفسها والهدف الذي رسمته والذي سعت إلى تحقيقه بكلّ جهد كان وراء نجاحها. وتقول عفاف إنّها تنوي مواصلة الدراسة الجامعية عن بعد بحكم حاجة الأبناء إليها وعمل زوجها في دوز، إذ لا يمكنهم الانتقال للاستقرار في مكان آخر، ولا يمكنها ترك أسرتها والدراسة في جامعة بعيدة عن مقر سكنها في الجنوب. وهكذا فإنّ الأمر يعتمد على قدرتها على الاستمرار في أداء مسؤوليتها كربّة أسرة، والبحث، في الوقت عينه، عن جامعة افتراضية تمكّنها من إجراء الامتحانات عن بعد أيضاً.
تضيف أنّها تلقت كثيراً من التهاني، وهناك أشخاص لا تعرفهم حتى، جاؤوا لتهنئتها، وهو ما أشعرها بالفرح والخجل، فالتهاني فاقت كلّ توقعاتها، وهناك من هنأها عبر "فيسبوك" أيضاً، بل أنشئت صفحات عدة أثنت على الخطوة التي قامت بها، وأخرى تحدثت عن نجاحها، مبينة أنّ فرحتها بالنجاح لا توصف وما شعرت به من فخر لا تتمكن من تفسيره.
تؤكد عفاف أنّ أهم رسالة تسوقها للشباب والتلاميذ الذين يخوضون دورة التدارك (الدورة الثانية من الامتحانات) أن لا مستحيل في الحياة، ولا بدّ من الثقة بالنفس والعمل المستمر، مع التركيز خصوصاً، إذ لا فائدة من إمضاء عدة ساعات في المراجعة وإجهاد النفس من دون فهم وتعمق. وتقول إنّها تستيقظ فجرا، وتقضي حوالي ثلاث ساعات في المراجعة الدقيقة: "صحيح أنّي تعبت، واجتهدت وحمّلت نفسي طاقة إضافية، لكنّ المطالعة ساعدتني، ونمّت قدراتي وخلقت لديّ من الضعف قوة". وتلفت إلى أنّه بالرغم من التركيز على البكالوريا فإنّها لم تتخلَّ يوماً عن واجباتها المنزلية، واحتياجات الأبناء، خصوصاً أنّ أبناءها يدرسون وتتولى متابعتهم في امتحاناتهم.

تؤكد عفاف أن لا نجاح من دون تعب. وتدعو الشباب الذين يفكرون في الحلول السهلة، والهجرة السرية، إلى ترك كلّ ذلك لأنّ وصفة النجاح سهلة وهي بذل مجهود لجني الثمار لاحقاً. وتؤكد أنّ ما يؤلمها هو رؤية شباب أجروا الامتحان معها وكانوا في نفس القاعة محبطين ويائسين، مشيرة إلى أنّ من السيئ أن يكون الجيل محبطاً، وفاقداً للأمل. ومثلما توقعت فأغلبهم فشلوا، واضطروا لإجراء دورة التدارك. وتختم أنّ الثقة بالنفس مهمة، لكن مع العمل، فلا نجاح من دون عمل، أما السنّ فلا تشكل عائقاً أمام المعرفة والعلم.