تومسون.. رحالة أميركي يبحث عن مواقع التوراة في جنوبي لبنان

08 اغسطس 2020
الصورة
منظر عام لـ صفد(ويكيبيديا)

تعد رحلة اللاهوتي البروتستانتي الأميركي وليام تومسون المعنونة بـ "الأرض والكتاب" واحدة من الرحلات النموذجية لعلم الآثار التوراتي التي أسست لفكرة أرض الميعاد الصهيونية. عاش تومسون في لبنان عدة عقود وكان واحداً من أهم الرحالة الذين كانوا يجوبون سورية الجنوبية بما فيها فلسطين بحثاً عن المواقع الوارد ذكرها في الكتاب المقدس.

فكأنه وهو يصف تلك الأراضي لا يرى إلا زمن التوراة الخيالي المفترض، حتى أنه كان يطلق على الماكن أسماءها التوراتية وكأن الزمن توقف قبل 3000 عام. هنا مقتطفات من الرحلة من جنوبي لبنان: هونين خرجت لكي أتفحص هذا الحصن ومحيطه، لقد كان المنظر من بعض الأبراج فوق سهل الحولة والجبال الشرقية رائعاً.

فأي مكان تفترض أنه ربما كان في الزمن القديم؟ منذ سنين عديدة خلت كنت أعتقد بأنه ربما كان يحدد موقع حاصور، ومنذ ذلك الحين اكتشفت ذلك المكان، على ما أعتقد، وهو يقع على بعد بضعة أميال في داخل البلاد، وبصورة عامة، أصبح لدي ميل في الفترة الأخيرة لمطابقته مع بيت معكة.

فكأنه وهو يصف تلك الأراضي لا يرى إلا زمن التوراة الخيالي المفترض

إن المقاطعة الصغيرة التي كانت هذه المدينة عاصمة لها ترتبط في التوراة بهابيل، ولا بد أنها كانت تمتد حول رأس هذا المستنقع الكبير إلى جوار الحولة لأن قرية إبل دونها تماماً. مظهر هذه القلعة مهيب من السهل تحتها، وذلك بسبب موقعها والأبراج المستديرة التي تدافع عن الجزء الجنوبي منها.

غير أن هذه حديثة نسبياً. والجزء الوحيد القديم حقاً هو الطرف الشمالي الذي يبلغ نحو ثلاثمائة قدم مربعة ومحاط بخندق حفر في الصخور الصلبة بعرض أربعين قدماً وعمق عشرين قدماً. وكان الجدار الأصلي قد بني من حجارة كبيرة مشطوفة الحافة، على الطريقة الفينيقية، ومربوطة معاً بكابلات حديدية، كما يمكن أن يشاهد في بضعة أماكن تحت الخرائب الحديثة.

البذار في وقت متأخر رغم أننا انطلقنا باكراً، إلا أن هؤلاء الفلاحين كانوا قد سبقونا، وهم يبذرون الشعير، عملياً، في هذا الفصل المتأخر من العام فهل سينضج خلال هذه الفترة القصيرة المتبقية بين ذلك الوقت وفصل الحصاد في هذه البلاد؟ هذا ممكن جداً، لكن ذلك يعتمد كلية على طبيعة الربيع القادم.

لقد شهدت شتاء واحداً، على الأقل، لم يكن فيه المطر كافياً ليمكن المزارعين من بذار قمحهم حتى شهر شباط/فبراير، لكن تلا ذلك شهر آذار/مارس رطب وبارد بدرجة غير معتادة، حيث غطيت الجبال، في اليوم الأخير من ذلك الشهر بهطولات غزيرة من الثلج الجديد، وبنهاية شهر نيسان/إبريل كانت الحقول تبتهج بمحصول وفير من النوع الذي يبهج المزارع القلق. قد يكون الأمر كذلك هذا العام، وقد لا يكون.

فإذا انقطعت الأمطار مبكراً لن يملأ أي حاصود حضنه بحزم من هذه الحقول. لذلك فإن هؤلاء الرجال يبذرون بالأمل بمعناه المؤكد. هناك، على الأقل، فرصة متساوية ضدهم، وما زالوا يفلحون ويبذرون بنشاط، وليس هناك إلا هذا الأساس (أي الأمل) لتطلعاتهم.

 

السفر في الشتاء

يا له من يوم رائع، وكم هو دافئ أيضاً بالنسبة للأول من شهر آذار. إننا محظوظون بهذا الخصوص. فمرة كنت هنا مع الكونتيسة شيلفن وابنها عندما كانت الأرض متجلدة وكانت السحب المتسارعة تواصل قذفي بالرذاذ المتجمد والثلج وأنا على حصاني في الطريق إلى حاصبيا. وقد جرف المطر الغامر والثلوج ثمانمائة وتسعة وأربعين شخصاً، كما جاءت السنة الجديدة صافية الجو وباردة.

وكان أصدقاؤنا الألمان، الذين كانوا قد احتجزوا في منزلي لمدة شهر بسبب المرض، قد غادرونا قبل بضعة أيام وهم يحملون الخادمة على نوع من النعش. وبما أنها بدأت تمطر بغزارة بعد قليل من رحيلهم، كنا قلقين بشأنهم ولم تخفف من همنا الروايات المتناقضة التي كان يحملها إلينا الخدم. فانطلقت بحثاً عنهم بعد الإفطار. لم يكن بالإمكان خوض الحاصباني لقطعه وسرت على حصاني حتى الجسر، حيث سنحت لي الفرصة لأرى الأردن الأعلى يتدفق بكامل طاقته مندفعاً فوق سريره الصخري.

إنني دليل سياحي مدرب ذاتياً وأغار من شهرتها. وبحكم مهنتي أؤكد أن الحولة فريدة في جمالها

كان الريف مغموراً بالمياه، ومع ذلك كان الفلاحون قد خرجوا لفلاحة الأرض ورش البذار على المنحدرات الجبلية. والحقيقة هي أن سكة المحراث المحلي الطويلة المدببة كانت تشق الطين والماء دون تردد أو عائق، وبالنسبة لمثل هذه التربة وهذا المناخ كانت هذه الآلة الصغيرة هي الأداة المطلوبة تماماً. فضلاً عن ذلك فإن أزواج الأبقار الصغيرة التي يملكونها ما كانت تستطيع أن تتحمل غيرها.

وقد رأيت رجلاً يحرث بحمارين صغيرين جداً وهزيلين. وقد بدا عليهما التجهم والاستياء، كما لو أن النير كان مهيناً لحساسيتهما الحميرية. وصلت، في غضون ثلاث ساعات، إلى القليعة الواقعة في أعلى حرف جبلي بعيد يشكل حدود العيون. هناك وجدت الكونتيسة ومجموعتها في اضطراب محزن. وكان ما حدث معهم بعدما غادروا حاصبيا، وباختصار، على النحو التالي: الرجال الذين استأجروهم لحمل الفتاة المريضة وضعوا النعش في الوحل وهربوا. وهطل المطر غزيراً مما اضطر الكونت أن يستدعي، باسم الحكومة، سكان القليعة بكاملهم لمساعدتهم.

وأخيراً وصلوا إلى القرية قبيل الظلام. وهنا احتجزتهم العاصفة منذ ذلك الحين، وفي مسكن قذر وغير مريح من النوع الذي يمكن وجوده حتى في بلد موحش كهذا. وبما أنهم لم يستطيعوا استئجار حمالين، فقد ذهب المترجم إلى صفد قبل يومين لكي يستأجر حمالين من ذلك المكان. غير أن اثني عشر رجلاً عرضوا، في هذا الصباح، أن ينقلوا الفتاة إلى هونين مقابل 300 قرش، وكان الكونت قد اتفق معهم مسبقاً وترك والدته والسيد /زد/، قس الرحلة، ليلحقا به بأفضل وسيلة يستطيعانها.

 

في القليعة

لم يكن الوقت قد تجاوز الثانية عشرة، وما كانا قد قطعا إلا شوطاً قليلاً في الاستعدادات، حين أحاط بهما حشد من الرعاع يصرخون ويعنفون ويخاصمون بهياج شديد. فرجتني الكونتيسة أن أتولى زمام الأمور لأنها لم تكن تستطيع أن تتحدث كلمة واحدة مع الناس كما لم تكن تفهم سبب الهرج والمرج والتأخير.

بعد قدر كاف من التوبيخ والتهديد حمل سائسو البغال العنيدون حيواناتهم وانطلقوا ـ مجموعة من نحو أربعين حيواناً، ما بين حصان وبغل وحمار، فضلاً عن بعض الحيوانات المهزولة والقذرة إلى درجة أنه لم يكن من السهل معرفة العائلة الحيوانية التي تنتمي إليها. لم أكن قد عملت ترتيباتي للبقاء في الخارج ليلاً لكنني لم أستطع أن أترك الكونتيسة في هذه الظروف المريبة. وهكذا انطلقنا وانتشرنا في جميع الأنحاء بحثاً عن طرق سالكة، لكن وجهتنا كانت، بصورة عامة، نحو الجنوب على طوال الحرف الذي يفصل الليطاني عن العيون. وبعد أن مررنا من الخريبة على حافة التلة الواقعة إلى الشمال منا أصبحنا بين دير ميماس وكفركلا في الغرب والمطلة، تلك القرية الدرزية الكبيرة في الشرق. ....

بعد مضي ساعتين توقفنا من أجل الراحة في نبع نيحا. وكانت مجموعتنا قد سلكت طرقاً مختلفة، والقليل منهم تبعوا خطانا. ومن هناك كابدنا حتى هونين تابعين الطريق الوعر الذي هبطنا عليه هذا الصباح. قبل وصولنا إلى القلعة بقليل لحقنا بالكونت وليام وفريقه الذين احتاجوا اليوم بكامله لقطع مسافة الأميال التسعة هذه. وهونين يسكنها المتاولة، كما تعلمون، وهم جماعة غير مضيافة، إلا أن فرمان السلطان وأوامر الباشا الصارمة توجب الطاعة. وقد تخلى الشيخ عن غرفته الخاصة للكونتيسة وخادمتها المريضة، في حين أخلت أرملة فقيرة مسكنها ـ نحو اثني عشر قدماً مربعة ـ لنا نحن الرجال.

بعد أن سويت هذه الإجراءات التمهيدية بدأت الأحمال تصل، وبحلول الظلام كان الجميع قد وصلوا باستثناء الطباخ واثنين أو ثلاثة من رفاقه. بعد أن انتظرنا طباخنا المفقود وزملاءه حتى حلول الظلام، استنفرنا القرية بكاملها للبحث عنهم، حيث وجدوهم سريعاً وجلبوهم سالمين. وكانوا هم والسيد /زد. / قد أوقفوا من قبل البدو وأجبروا على دفع الجزية البدوية قبل أن يسمح لهم بالمرور.

كان الطقس بارداً جداً الآن والظلام مطبقاً. كانت الرياح تعصف بأعالي الجبال وتمزق بدداً الغيوم الثقيلة التي كانت ترشقنا بالمطر والثلج كلما غامرنا بالخروج من مأوانا. وقد أدخلنا الأمتعة إلى غرفة الكونتيسة بكثير من الضجيج والفوضى، في حين تكدست حيواناتنا الأربعون في قبو كبير من أقبية القلعة وتناولت طعامها وسط الضجيج والرفس والعراك في الظلام الدامس.

بحلول الساعة العاشرة كان الطباخ قد أعد بعض العشاء وقضينا ساعة ونحن نتحدث عن مغامرات النهار والليل. ثم استلقينا بملابسنا وأحذيتنا الموحلة ونحن نحس بالبرودة والبلل، ودون أسرة، وحاولنا النوم، لكن مع نباح الكلاب في الخارج وصياح الديكة فوق رؤوسنا ودغدغة البراغيث ومع الشاغلين الآخرين لفرقتنا المشتركة ذات الاثتني عشرة قدماً مربعة الذين يزحفون فوقنا لم يكن نومنا من أعذب الأنواع. 

 

العودة إلى حاصبيا

على كل حال، جاء الصباح أخيراً. فانطلق أصدقاؤنا إلى صفد بينما عدت إلى حاصبيا. ليس من السهل أن أبالغ بالمصاعب وحتى الأخطار التي تواجهها مثل هذه الجماعات في هذا الفصل من العام. فالخيام لا يمكن أن تستخدم، ولذلك فهم تحت رحمة هؤلاء الفلاحين الخارجين على القانون. وكمية النقود التي أنفقتها الكونتيسة لا يمكن أن تقل عن خمسين دولاراً في اليوم، ومع ذلك فإن إزعاجات وضعها كانت كافية لدفع أي شخص عادي إلى اليأس. فالبيوت لم تكن ملائمة لإيواء الخنازير ـ فكل فناء كان مليئاً بالطين والقذارة ـ ويجب عليك أن تتخبط عبر هذا المزيج الذي لا يوصف، وفيه يتعين عليك أن تلقي بأحمالك.

ومما يضيف إلى حيرتك ومحنتك هو أن القرويين من كل حجم وجنس يتجمهرون مثل النحل ويضحكون على حسابك. والكلاب تنبح والحمير تنهق والبغال والخيول ترفس وتقطع رباطاتها، والخدم يساومون على الأسعار ويشترون أي نوع يتوفر لهم مما يؤكل وبأسعار باهظة، والفقراء يشحذون، والكل يطالب بالبقشيش مقابل المساهمة بنصيبهم في هذا الإزعاج. لقد مررنا بكل هذا وأكثر لمدة اثنتي عشرة ساعة متواصلة، والأعجوبة أن الفتاة المريضة تجاوزت كل هذا وشفيت وعادت إلى ألمانيا. وعلقت الكونتيسة قائلة إنها لا تحتاج الآن أي شرح آخر للنصيحة القائلة "صلوا لكي لا يكون طيرانكم في الشتاء". 

 

قلعة الشقيف

لكن ما زال هناك وقت كاف لمتابعة السير في الاتجاه نفسه إلى قمة الحرف الجبلي الواقع أمامنا، وهدفي هو أن أهيئ لك منظراً قريباً لقلعة الشقيف العظيمة ولسهل العيون الجميل. انظر الآن عبر خانق الليطاني العميق فتستطيع أن ترى ذا الحصن القديم الرائع معلقاً على حافة الجرف تماماً. وقد زرته مرات عدة وقضيت عدة ليال مخيماً في خندقه الفسيح.

إن المنظر من القمة رائع والهوة التي يبلغ عمقها ألفاً وخمسمائة قدم حتى النهر في الأسفل، مخيفة. ولا أزور المكان أبداً إلا وألعب دور الصبي من خلال دحرجة الأحجار من أعلى القلعة ومراقبة قفزاتها العملاقة من مكان إلى مكان حتى تضيع في الشجيرات أو في النهر في القاع. والقلعة أوضح هيكل في هذه المنطقة وسوف نراها تطل علينا في جميع جولاتنا في هذه الأرجاء. لقد أطلق عليها الصليبيون تسمية "الحصن الجميل" (Bellefort) ولكنهم ليسوا هم الذين بنوها.

وفي الحقيقة، أعتقد أن حصناً ربما يكون قد شغل هذا الموقع المطل منذ زمن قديم جداً. ومن هنا كان أمامنا منظر جميل للعيون، والاسم الحالي هو مرج العيون. ويبلغ طول السهل نحو ستة أميال وعرضه ميلين، مع انحدار منتظم باتجاه الجنوب من تلك الرابية الكبيرة في الطرف الشمالي والمسماة تل مامو وأحياناً تل دبين، وهذا الاسم مشتق من قرية واقعة خلفه وتحمل ذلك الاسم.

قمة الرابية مغطاة ببقايا مدينة قديمة، وتمتد هذه البقايا مسافة فوق السهل الواقع إلى الشمال الشرقي. هذا وتعتبر الأعراف أن هذا الموقع هو العيون، ولا أرى سبباً للشك في تلك الحقيقة. لقد استولى عليها بنحدد حوالي عام 950 قبل المسيح، ثم استولى عليها، ثانية، تغلات بيلاسر بعد حوالي 200 عام. هذا وهناك نبع شهير في وسط سهل العيون يدعى الدردارة، وعلينا أن نعبر الجدول الذي يخرج منه عند أسفل السهل.

 

آبار القار

دعني ألفت نظرك إلى تلك التلال البيضاء إلى الشمال الشرقي. فحيث تنتهي باتجاهنا توجد آبار القار الشهيرة. إنها على بعد نحو ثلاثة أميال إلى الغرب من حاصبيا. الصخور هنا من المارل الحواري (طباشيري)، وهو أبيض للغاية. وكان عمق البئر الذي شغل فعلاً عندما كنت هناك لآخر مرة مائة وستة عشر قدماً حتى القار. وتتباين سماكة الطبقة. ففي بعض الآبار تبلغ خمسة عشر قدماً وفي آخر لا تبلغ خمس أقدام.

كما أن النوعية تختلف. ففي بعض الأماكن تكون نقية للغاية، مثل الكهرمان الأسود الحقيقي أو العنبر الأسود، وفي أخرى، تبعد عن الأولى بضع أقدام، تكون زيتية وترابية وبلون صدأ الحديد. ويعتقد الناس الذين يديرون المنجم أن قاراً جديداً يتشكل بصورة دائمة، وحقيقة كون كامل المنطقة التي تحفر فيها هذه الآبار، أو حفرت منذ عصور بعيدة، لا تتجاوز فداناً كحد أقصى، تؤكد بقوة هذه النظرية.

فالمكان بكامله لا بد أنه حفر مرة بعد أخرى، ومع ذلك فإنهم يجدونه غزيراً وكاملاً كما كان على الدوام. لذلك، ربما كان هذا الخام المعدني موجوداً بكميات كبيرة في الجبل المكون من صخور المارل والواقع إلى الشمال من الآبار، وهذا الخام ينضح ببطء على شكل بترول شبه سائل إلى هذه الأحواض المعينة وهناك يتصلب إلى قار بمرور الزمن. إن من الصعب تعليل المورد المستمر بأي فرضية أخرى. إن لدى العرب على شاطئ البحر الميت نظرية مماثلة لتعليل ظهور القار هناك. حيث يقولون إنه يتشكل على الصخور في أعماق البحر، ثم يطلق على شكل كتل كبيرة ويرتفع إلى السطح بفعل الزلازل أو أي هزات أخرى تحت البحر. وعلى بعد بضعة أميال من آبار حاصبيا هذه، فتح منجم جديد غير بعيد عن قرية تدعى يحمر.

والبئر هنا تحفر في الصخر الصلب، ويوجد القار على أعماق مختلفة. إنه، في الواقع، شبه سائل وينضح إلى داخل البئر من الشقوق في الطبقات الصخرية. الخام المعدني، على النحو الذي يوجد فيه في هذا البلد يذوب بسهولة كافية من تلقاء نفسه، ولكنه يصبح سهل الانقصاف مثل الزجاج عندما يكون الطقس بارداً. لذلك يجب أن يمزج بالقار أثناء الذوبان، وبهذه الطريقة يشكل شمعاً زجاجياً قاسياً وكتيماً للماء تماماً. ففي مرة غطيت سقف غرفة كانت تدلف مثل المنخل بخلطة كهذه. حيث بسطتها بينما كان المطر يهطل بغزارة، ومع ذلك كان النجاح كاملاً. ....

 

 مرجعيون

لقد أصبح سهل مرجعيون مشهوراً مؤخراً بفعل عاصفة غير عادية جداً. وكان ذلك في 28 من شهر كانون الأول/ديسمبر. فقد كان بعض أصدقائي من حاصبيا ينزلون التلة المجاورة لكفر كلا، تلك القرية الواقعة إلى الغرب من المطلة، عندما لفت أحدهم انتباههم إلى أعمدة طويلة من الضباب فوق مستنقع الحولة. وكانت تتجه نحو مكانهم بسرعة كبيرة، وسرعان ما انقضت عليهم بعنف مخيف.

أولئك من بين المجموعة الذين كانوا من قرية الخيام على الجانب الشرقي من السهل هربوا نحو قريتهم. أما أصدقائي من حاصبيا، فقد دفعتهم العاصفة إلى الخريبة، تلك القرية الصغيرة الواقعة إلى الشرق منا مباشرة، ولم يتخلصوا منها إلا بصعوبة. أما أولئك الذين حاولوا الوصول إلى قرية الخيام فقد هلكوا في السهل، رغم أنه لم يكن أعرض من ميلين ورغم أن منازلهم كانت على مرأى منهم. وهكذا توفي عشرة رجال في بضع دقائق من مجرد برودة هذه الريح العجيبة. لم يكن هناك ثلج ولا صقيع ولا الكثير من المطر، لكن الريح كانت مخيفة تماماً، تسوق وترفع كل شيء أمامها.

إن المنظر من القمة رائع والهوة التي يبلغ عمقها ألفاً وخمسمائة قدم حتى النهر في الأسفل، مخيفة

وهذه الرياح الباردة تمتص جميع الحرارة الحيوانية بسرعة مدهشة. لم يكن هؤلاء الرجال هم وحدهم الذين بردوا حتى الموت في الحال تقريباً، بل نفق أيضاً خمسة وثمانون رأساً من البقر قبل أن يكون بالإمكان إيصالها إلى القرية. وليس في موروث السكان أي كارثة مماثلة. فالناس يموتون، غالباً، في عواصف ثلجية على الجبال وفي صحراء حوران الشاسعة، لكن لم يعرف من قبل، قط، أن مجرد ريح وهناك في هذا السهل المنخفض تستطيع أن تبرد الناس حتى الموت.

تبددت العاصفة وتفرقت في اتجاهات مختلفة. لقد فعلت الكثير من الأذى على التلال، كما أن عدة أشخاص توفوا بسببها في الجولان البعيد، وكذلك العديد من الأبقار. وقد تركت آثارها على شاطئ البحر. وأنا نفسي أصبت برشح عنيف خلال ركوبي من بيروت إلى صيدا في ذلك اليوم.

وقد تفحصت دقة هذه الحقائق على الأرض وأعرف أنها صحيحة. فصديقي الحاصباني الذي هو تاجر جوال باع أكفان الضحايا ورأى تسعة منهم يدفنون في الصباح التالي. هذا وكثيراً ما أحسست بالقوة الشديدة لهذه الرياح في تبريد حرارة الجسم الحيوية، لكنني لم أواجه شيئاً كهذا قط. إن سهل مرجعيون سهل خصيب جداً، وعندما تكسوه المحاصيل الذهبية يصبح ساحراً.

هنا توجد الشلالات الصغيرة التي تحدثت عنها على ما أظن؟ نعم، ومن خلال تتابعها الفريد يقفز الجدول نحو الأسفل باتجاه إبل وينضم إليه هناك نهر الرواحيني (Ruahiny) الذي يمكن أن تراه وهو يتفجر من قاعدة الجبل الغربي. تلك الجروف الصخرية مغطاة لمسافة طويلة بخرائب بلدة قديمة للغاية لم أستطع أن أجد لها أي اسم إلا اسم النبع.

والمسافة حولها كلها وإلى الجنوب منها تدعى أرض الرواحيني. دعنا الآن ننحرف إلى الشمال الشرقي لكي نزور الكهوف الاصطناعية والقبور المسماة صردا، والتي تقع عند النهاية الجنوبية لذلك الجرف الصخري المدعو الخيام لدي هدف آخر من القيام بهذا الانعطاف. فلا بد أنك تعرف أن الحولة هي بحيرتي المفضلة ـ وتحت حمايتي.

إنني دليل سياحي مدرب ذاتياً وأغار من شهرتها. وبحكم مهنتي أؤكد أن الحولة فريدة في جمالها بغض النظر عن الزمن الذي ترى فيه والمكان الذي تراها منه. فمن قمم حرمون البعيدة أو من سهل مرجعيون أو من بساتين بانياس، في منتصف الشتاء أو منتصف الصيف، في المساء أو في الصباح قف فقط حيثما كنت. ترى الحولة تنبسط هناك مثل سجادة شاسعة بنقوش من كل نوع أو شكل أو حجم ألقت بها الطبيعة عليها باستهتار ساحر جداً، وهي مخططة في كل أنحائها بجداول لا تحصى من الضوء السائل.

ونجد أن جداول الحولة الضاحكة بخطوطها المستقيمة والمتوازية أو المختبئة خلف أجمات من أشجار العليق المتراقصة، وبانحناءاتها الرشيقة كأنها تربط عقد الحب بمرح، تحوك نسيجاً فضياً في تعقيدات ماهرة هنا، وهناك تنبسط على شكل مرايا كاملة الشكل.

الخيمة العربية هناك وحصان الحرب مع راكبه الشرس. كما أن السهل مغطى بقطعان الأغنام والماعز في حين أن قطعاناً من الجاموس الأسود تستحم في البرك. والبحيرة حية بطيورها المائية، والأشجار حية بالطيور والهواء وبالنحل. إنها جميلة في جميع الأوقات، لكنها أجمل من أي وقت آخر في أوائل الربيع وفي المساء عندما يتلاشى ضوء الشمس الذهبي، عبر أميال عديدة من لون العنبر الأثيري الدافئ، في السماء الزرقاء التي لا يسبر غورها.