توقعات بشروط روسية حازمة في تمويل محطة نووية بمصر

06 سبتمبر 2017
الصورة
السيسي أشار بمواقف سابقة إلى قرب انتهاء عقد المحطة(Getty)
+ الخط -
لم يكن إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن قرب توقيع العقود النهائية لبناء أول محطة نووية شمال غرب البلاد بالاتفاق مع روسيا هو الأول، فقد شهد العامان الماضيان تصريحات مشابهة، لتتزايد التساؤلات حول آلية تمويل المشروع، لاسيما بعد فتور العلاقات بين البلدين في أعقاب تحطم طائرة ركاب روسية فوق سيناء نهاية عام 2015.
وأثناء لقاء على هامش قمة تجمع "بريكس" في الصين يوم الاثنين الماضي، وجه السيسي، دعوة إلى نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، لحضور الاحتفال بمناسبة وضع حجر الأساس لمحطة الضبعة (شمال غرب)، كما تطرق اللقاء إلى مسألة استئناف حركة الطيران بين البلدين لكن دون تحديد أي مواعيد لذلك.

ووقعت موسكو والقاهرة في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، اتفاقية مبدئية لبناء وتشغيل المحطة، ومنذ ذلك الوقت يقول الجانبان إنه تجري مناقشة الصيغة النهائية للعقد.
وبموجب الاتفاقية ستقوم مؤسسة "روس آتوم" الروسية للطاقة النووية بتنفيذ هذا المشروع، الذي يتضمن بناء محطة كهرو ذرية بتقنية روسية في منطقة الضبعة، تضم 4 وحدات، تبلغ طاقة كل منها 1200 ميغاواط.
يقول سيرغي بالماسوف، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بالمجلس الروسي للشؤون الدولية، إنه قد تردد أكثر من موعد للتعاقد على تنفيذ "روس آتوم" أعمال بناء محطة الضبعة، مرجعاً التأخّر الذي حدث، إلى سعي كل طرف لتحسين الشروط لصالحه.

ويضيف بالماسوف في حديث لـ"العربي الجديد": "كانت هناك تسريبات بأن مصر ستنجز التعاقد بسرعة في حال عودة السياحة، بينما تبحث روسيا عن خفض قيمة القرض الذي ستمنحه لتمويل بناء المحطة".
ويتابع أن " قيمة المشروع تبلغ 30 مليار دولار، توفر روسيا 25 ملياراً منها على سبيل القرض، ولكن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها كونها بلداً مصدراً للنفط، تضع علامات استفهام حول إمكانياتها في منح قروض كبيرة ولسنوات طويلة وبفائدة 4.5% فقط".
ومع ذلك، يرجّح بالماسوف أن يتعاقد البلدان على بناء المحطة في نهاية المطاف بعد تسوية النقاط الخلافية، مضيفاً أن تحقيق هذا المشروع "سيربط مصر بروسيا وسيحدث نقلة نوعية في مستوى التعاون".

وحول العوامل السياسية لاختيار روسيا لبناء أول محطة نووية في مصر، يقول: "باستكمالها بناء محطة بوشهر النووية في إيران، أثبتت السلطة الروسية الحالية أنها لا تتخلى عن حلفائها، بينما أصبحت التقلبات في السياسة الخارجية من نقاط ضعف الولايات المتحدة والغرب ولا ينبغي الاعتماد عليهما".
ولما كانت خلافات حول آلية التمويل تقف عائقاً أمام بناء أول محطة نووية في الأردن في ظل إصرار روسيا على توفير حصتها من الاستثمارات عبر قروض مصرفية بدلاً من التمويل من الدولة، لا يستبعد بالماسوف نشوب مثل هذا الخلاف مع مصر أيضاً.
ويقول الخبير الروسي: "ربما ستحاول روسيا تطبيق هذه الآلية مع مصر، ولكنه سيكون من الأفضل على الجانب المصري أن يتعامل مع الدولة الروسية بشكل مباشر للحصول على ضمانات سياسية".

وفيما يتعلق بسلبيات التمويل عبر قروض مصرفية، يضيف: "قد تضع مصارف تجارية شروطاً حازمة جداً، كما أنها لن توفر تمويلاً بفائدة منخفضة ولفترة طويلة، لأنها، على عكس الدولة، غير معنية بالترويج للتكنولوجيا الروسية حول العالم".
وكانت روسيا قد فازت في عام 2013 بمناقصة بناء محطة نووية في الأردن بقيمة عشرة مليارات دولار، لتضم مفاعلين بقوة ألف ميغاواط لكل واحد منهما. إلا أن خلافات حول آلية التمويل لا تزال تهدد مصير المحطة وتعيق بدء أعمال إنشائها، وفق ما ذكرته صحيفة "إر بي كا" الروسية منتصف أغسطس/ آب الماضي.

ويتوقع خبراء أن يساعد المشروع النووي في تلبية حاجيات مصر المتزايدة من الطاقة الكهربائية في ظل الانفجار السكاني الذي تعيشه، ويفتح لمؤسسة "روس آتوم" الروسية سوقاً واعدة جديدة في شمال أفريقيا.
ويرى رئيس تحرير موقع "جيو إنيرغيتيكا" المتخصص في شؤون الطاقة، بوريس مارتسينكيفيتش، أن تحقيق المشروع النووي المصري لن يدرّ على روسيا عائداً اقتصادياً فحسب، بل سيغير أيضاً من موازين القوى السياسية والاقتصادية في شمال أفريقيا وسيفتح لـ"روس آتوم" مجالاً للتوسع في هذه المنطقة.

ويقول مارتسينكيفيتش في حديث لـ"العربي الجديد": "يشكل العقد مع مصر أهمية بالغة لمؤسسة روس آتوم من وجهة النظر التكنولوجية، إذ أنه ينص على إنشاء محطة لتحلية المياه بكل من المفاعلات الأربعة، وذلك لأول مرة في تاريخ الطاقة الذرية".
ويضيف :" لعل الأهم أن هذه المحطات لن توفر مجرد مياه عذبة، بل مياهاً صالحة للشرب، كما يمكن للشركة الروسية أن تقدم عروضاً لتطوير قطاع الطب النووي".

وتعتبر "روس آتوم" من الشركات الرائدة عالمياً في مجال بناء المحطات النووية وتتولى في الوقت الحالي إنشاء 34 وحدة توليد طاقة خارج روسيا، لذا فإنها تبحث عن وضع قدم في شمال أفريقيا.
وإلى جانب مصر، فإن هناك اتفاقية أخرى بين روسيا وتونس على التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، بما في ذلك لإنشاء مفاعلات للطاقة والبحوث واستكشاف مناجم اليورانيوم واستثمارها.

ويتوقع مارتسينكيفيتش أن يثير المشروع النووي المصري اهتمام البلدان الأخرى في المنطقة، التي تندر فيها المياه العذبة، مشيراً إلى أن العرض الروسي عبارة عن "حزمة تضم الطاقة الكهربائية والمياه في آن معاً، ناهيك عن إمكانية إحداث نقلة تكنولوجية وتطوير أحدث قطاعات الاقتصاد والصناعة".
وحول المنافع التي ستحققها مصر من مشروعها النووي، يضيف: "سيتيح توفر الكهرباء والمياه في محافظة مطروح، مواصلة تطويرها للحد من الكثافة السكانية على طول ضفاف النيل، والحد من استهلاك مياه النيل لتوليد الطاقة وتوجيهها للري واحتياجات الزراعة، وتحسين العلاقات مع بلدان حوض النيل مثل إثيوبيا والسودان".

ويتوقع الخبير الروسي في شؤون الطاقة أن يزيد المشروع النووي المصري أيضاً من إمكانيات البلاد في تصدير الطاقة الكهربائية.
ويقول: "تربط خطوط نقل الكهرباء منظومة الطاقة المصرية بنظيرتيها الليبية والأردنية، وعبرهما بمنظومتي الطاقة في سورية ولبنان. وبالطبع، ستزيد محطة الضبعة من إمكانيات مصر التصديرية، ولكن محطة واحدة لن تكون كافية لتحقيق مثل هذه الخطط".

غير أن تاريخ مصر في محاولات إنشاء محطات نووية لا يدعو كثيراً إلى التفاؤل وفق محللين في مجال الطاقة. فقد بدأت مصر برنامجها النووي في السبعينيات من القرن الماضي. لكن عقب كارثة تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي عام 1986 التي أسفرت عن أكبر تلوث إشعاعي في التاريخ، جمدت مصر، شأنها في ذلك شأن غيرها من الدول، مشروعها النووي وسط تساؤلات حول مدى أمان الطاقة الذرية.
وبعد مرور أكثر من عقدين على الكارثة وتدارك الأخطاء في الأجيال الجديدة من المفاعلات النووية وتشديد معايير الأمان، توجه العديد من الدول لاستئناف مشاريعها النووية.

وفي عام 2008، أعلن الرئيس المخلوع حسني مبارك، استئناف البرنامج النووي المصري، قبل أن يحسم في عام 2010 جدلاً حول موقع أول محطة نووية ويعلن اختيار منطقة الضبعة لإقامتها.
وكان من المقرر أن يتم الإعلان عن مناقصة لبناء المحطة قبل نهاية عام 2010، ثم تم إرجاؤه إلى بداية 2011. إلا أن سقوط نظام مبارك وما تلاه من اضطرابات سياسية وأمنية أدى إلى إرجاء المشروع، قبل أن تتكثف المفاوضات مع روسيا منذ بداية عام 2015 بالتزامن مع زيارة بوتين إلى القاهرة.

وفي تصريحات سابقة لـ"العربي الجديد"، أرجع مدير معهد قضايا التطوير الآمن للطاقة النووية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، ليونيد بولشوف، سعي عدد من الدول النامية في آسيا وأفريقيا لإنشاء محطات نووية، إلى تطلعاتها لـ"تحقيق نقلة تكنولوجية، والارتقاء بمستوى العلوم والتعليم على نحو كيفي، ودخول عصر اقتصاد المعرفة"، مشيراً إلى أن المحطات النووية أنظف بيئياً من نظيراتها الكهروحرارية، لأنها عديمة الانبعاثات وقليلة النفايات.


المساهمون