توجّه ألماني مدعوم أوروبياً لإنقاذ اتفاقية الأجواء المفتوحة

25 مايو 2020
الصورة
الاتفاقية مهمة لدول الاتحاد الأوروبي (Getty)
تنشط دول الاتحاد الأوروبي وفي مقدمتها ألمانيا لإنقاذ اتفاقية الأجواء المفتوحة الموقعة عام 1992، والتي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أخيراً، انسحابه منها على خلفية الانتهاكات الروسية المستمرة لها، لا سيما أن الولايات المتحدة تعتبر أنها وحلفاءها مهددون عسكرياً، فيما بدت موسكو متشككة في مستقبل المعاهدة، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2002، إنما من دون أن تعلن رفضها المطلق للحوار والتوصل إلى تسوية تقضي بالامتثال للبنود التعاقدية في الاتفاقية، وهو ما أمل به كلّ من الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ ومنسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، لأن ذلك من شأنه أن يعيد الولايات المتحدة للتفكير في قرارها، وبالتالي عدم التسبب بالقلق للأوروبيين، لما لهذه الاتفاقية من أهمية في بناء الثقة ورفع مستوى الشفافية والأمن، عدا عن دورها في ضبط التسلح عالمياً.

دور محوري لبرلين

ويدور كل ذلك وسط قناعة أوروبية مشتركة حول أهمية إيجاد صيغة لتقريب وجهات النظر. ففي ألمانيا هناك نقاشات سياسية حول الدور المحوري الممكن لبرلين تأديته في هذا المجال من خلال الضغط على موسكو وإقناع واشنطن بالرجوع عن خيار الانسحاب، بعدما تكرس النزاع بين الدولتين العالميتين نتيجة حظر روسيا رحلات استطلاع عسكرية أميركية على بحر البلطيق قبالة جيب كالينينغراد الروسي وجورجيا المجاورة، فيما قيدت أميركا وكرد فعل منها، الطلعات الجوية الروسية فوق ألاسكا والمحيط الهادئ. مع العلم أن الاتفاقية تسمح للدول الــ34 المشاركة بتنفيذ عدد من رحلات الاستطلاع العسكرية المتبادلة قصيرة المدى وغير المسلحة سنوياً في أجواء الدول الأخرى، على أن يتم التبليغ عن الطلعات قبل وقت وقصير وما إذا كان من توجه لالتقاط صور، بينها مثلاً لمنشآت عسكرية أو أنشطة جيش الدولة المعنية بالاتفاقية أو جمع معلومات أخرى. تجدر الإشارة إلى أن هناك تقارير تفيد بوجود اشتباه في أن تكون موسكو قد نصبت صواريخ متوسطة المدى هناك، وهذا ما دفع الولايات المتحدة لاتخاذ قرار بوقف مشاركتها في الاتفاقية.



لا  مبرر للانسحاب

وفي هذا السياق، أبرزت صحيفة " فرانكفورتر ألغماينه"، أخيراً، نقلاً عن وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، أنه ومن وجهة النظر الألمانية فعلى الرغم من خرق تطبيق اتفاقية الأجواء المفتوحة في السنوات الأخيرة من الجانب الروسي، إلا أن ذلك لا يبرر للولايات المتحدة الانسحاب منها. ونقلت عن الوزير ماس، أن برلين ستحاول مع شركائها الأوروبيين ثني الرئيس الأميركي عن قراره، لأن الاتفاقية جزء مهم من هيكل الحد من التسلح الأوروبي، وهي تساهم في الأمن والسلام في النصف الشمالي من الكرة الأرضية بأكمله تقريباً. ويلقى ماس دعم زميلته وزيرة الدفاع أنغريت كرامب كارينباور، التي قالت إنها ستفعل "ما هو ممكن" من أجل إنقاذ الاتفاقية خلال الأشهر الستة المقبلة.

أما باقي الشركاء الأوروبيين بينهم بلدان مثل بلجيكا وتشيكيا وإيطاليا ولكسمبورغ وهولندا واسبانيا وفنلندا والسويد، فوجّهوا إلى جانب ألمانيا وعبر وزراء الخارجية رسالة أعربوا فيها عن أسفهم للخطوة الأميركية، معبرين عن قناعتهم بأن الاتفاقية "عملية ومفيدة". وتوضح الرسالة، أنه "حتى إذا ما شاركنا الولايات المتحدة مخاوفها من أن روسيا لا تلتزم بالكامل بالاتفاقية، فإن المعاهدة توفر فوائد واضحة لهيكلية التحكم في الأسلحة التقليدية والأمن المشترك".

وفي خضم ذلك، أشارت تقارير إعلامية ألمانية إلى أنه لطالما كان هناك نقاشات لسد مجموعة من الثغرات في الاتفاقية، وحلف الأطلسي أعرب أكثر من مرة عن قلقه من حظر الروس لدول بالتحليق فوق أجواء كالينينغراد، إنما من دون أن يعلن أحد أن الاتفاقية غير مجدية. ومن بين هذه الدول الولايات المتحدة التي تعتبر أن هناك عيوباً تعتري هذه الاتفاقية، وبعد أن اعتاد الروس تنفيذ الاتفاقية بشكل انتقائي خلال السنوات الأخيرة، إلا أن خبراء في الشؤون السياسية والأمنية الأوروبية يرون أن الاتفاقية لا تزال تتضمن العديد من النقاط الجوهرية في مضمونها.

وفي هذا السياق، رأى المتحدث باسم السياسة الخارجية في حزب "الخضر" الألماني، أوميد نوريبور، في حوار مع مجموعة فونكه الإعلامية، أخيراً، أن "الدور الألماني أساسي في محاولة إقناع الولايات المتحدة بالبقاء وعدم الانسحاب من الاتفاقية"، عازياً أهمية التدخل الألماني لأن الاتفاقيات "لم تسقط من السماء ولا يمكن استبدالها بسهولة"، قبل أن يلفت في حواره إلى أنه من المعروف أن "الأميركيين هم أكبر قوة عسكرية في العالم وأعضاء في حلف الأطلسي". وإذ عبّر عن امتنانه إذا ما اتخذ ماس زمام المبادرة وحاول إقناع الولايات المتحدة بالبقاء، غير أنه أشار إلى أنه لم يتم اختيار هذا العام بالصدفة فالانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب.

من جهة ثانية، قال السياسي عن "الخضر" إن "طريقة ترامب في التعاطي مع الاتفاقيات والملفات المتداخلة مع دول الغرب مؤسفة، فهو ينسف بمقاربته للأزمات وخروجه من المعاهدات نتائج سنوات من العمل المضني، والتي يكون دائماً الهدف منها جعل العالم أفضل بقليل وأكثر أمناً".

الصين شريكا محتملا

وعن تداعيات خروج واشنطن من الاتفاقية، إذا ما حصل، اعتبر نوريبور أن الأمر لن يقتصر فقط على العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، بل أيضاً على نظام الحد من الرقابة على التسلح عالمياً، ليلفت إلى أن هذه "الطريقة في فرض القرارات قد تعيق توجهات دول مشاركة في الاتفاقية لحث دول أخرى، الصين مثلاً، لإشراكها في الاتفاقية، ومن الواضح أن الأميركي يقدم بذلك مثالاً سيئاً"، موضحاً أن "ما تفعله أميركا، تريد من خلاله توجيه رسالة مفادها أنها لا تريد بناء ثقة ولا الحد من الرقابة على التسلح، إنما فقط جمع البيانات على المستوى الوطني، وهذا لم يكن سبباً لتوقيع الاتفاقية في ذلك الوقت".

وعن وجهة النظر التي تفيد بأن الاتفاقية أصبحت برمتها قديمة من الناحية الفنية، بعد التطور التكنولوجي وحيث يمكن استخدام الأقمار الصناعية للاستطلاع بشكل أسرع وأفضل، أبرز نوريبور أن الاتفاقية لن تصبح مجرد اتفاق رمزي لأنه وبكل بساطة هناك دول لا تمتلك الموارد التي تمتلكها الولايات المتحدة، ولا تزال الوسائل التقليدية، مثل الطائرات، ذات أهمية لدول كثيرة بينها دول البلطيق، والتي تشعر بأنها مهددة من روسيا، مبدياً في الوقت نفسه استغرابه من "تصرفات الأميركيين الذين يتنصلون من مسؤولياتهم"، واصفاً ما حصل بأنه نوع من "النفاق". وأضاف أن "الأميركيين يعترفون بشكل غير مباشر بأن الاتفاقية مهمة حقاً، وتستحق الحفاظ عليها، لكن وبكل بساطة يقدمون على الانسحاب منها".

تعليق: