تهذيب السياسة الدولية

08 سبتمبر 2019
الصورة
صارت الصفاقة السياسية عملة غزيرة التداول دولياً، بعد أن شهدت الساحة الغربية بروز زعماء من اليمين المتطرّف، ومن أحزاب شعبوية يسارية أو يمينية، لا يمنع أي سبب، أخلاقياً كان أم دبلوماسيا، مسؤوليها من التفوّه بالعبارات البذيئة التي يبدو أنها تجعلهم أكثر "واقعيةً" وقرباً من "العامة" الذين "اقترعوا" لهم. 
عربياً، وفي ظل شبه انعدام كامل للممارسات الديمقراطية وللانتخابات الحرّة، برز زعماء عبر الكلام اللاذع واللسان السليط، كأنور السادات ومعمر القذافي وصدّام حسين، وحازوا، عبر هذا المستوى من التعبير، "شعبية" لدى بعض العامة، باعتبارهم لا يهربون من قول "الحقيقة" مهما كانت فجّة. وحديثاً، ساهمت وسائل التواصل في تعميم ذائقةٍ شتائميةٍ، وما دون أخلاقية، في التعبير عن أمورٍ شتّى ليست بالضرورة سياسية فحسب. ومن جهة الإعلام التقليدي، صار الكلام النابي عماد نجاح برامج تلفزيون الواقع. كما اعتمد بعض منشطّي الحوارات السياسية المتلفزة على ثراء برامجهم بالتافه من التعبيرات، وبالسفيه من الكلمات، للحصول على أكبر نسبة مشاهدة، كما يدّعون.
معين الشتائم والمستوى الوضيع من التعبيرات السياسية لا ينضب، في ظل بروز شخصيات جديدة تُجدّد قاموس هذه التعبيرات، من أبرزهم عالمياً، الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الداخلية الإيطالي السابق ماتيو سالفيني، وقد انضم اليهم أخيرا الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو، القادم من صفوف الفاشية الأميركية اللاتينية التقليدية. والقاسم المشترك بين من ورد ذكرهم الانتماء فكراً وممارسة إلى أحضان اليمين المتطرّف. ويبدو أن الفاشية الجديدة، أو النازية المتجدّدة، قد خرجت عن تقاليد طالما ادّعى آباؤها الروحيون التمسّك بها، وهي "التهذيب" المتصنع في التعبيرات، تقرباً من الكنيسة مرجعية أخلاقية، كما فعل مثلاً الجنرال الدموي فرانشيسكو فرانكو في أسبانيا ما قبل الديمقراطية، حيث كان النطق بالكلام النابي شبه ممنوعٍ في المشهد العام.
يتسلى بعضنا ربما بالاستماع لمفردات نابية أحياناً، ولكننا ربما لا نستطيع غالباً أن نثمّن مدى 
تأثير تعميم هذه الأساليب على الحوكمة السياسية. وأحدى أهم النتائج السلبية لهذه "اللغة" إبعاد ناسٍ كثيرين عن المجال العام نشاطاً ونضالاً والتزاماً باعتباره مشهداً "بذيئاً" لا يمكن إلا ان يُصيب من ينخرط به، بموبقاته اللفظية وبممارساته المنحرفة. وصار العمل بالسياسة لدى بعض العامّة منبوذاً، كما هو العمل في الفن، لانتشار اعتقادات متخلفة تعتبر من يزاولون الفن متحللين من أية روادع أو قيم، في زمن صار فيه تعريف القيم منوطاً بمن هم أبعد الناس عنها في الواقع.
الراكب الأخير في عربة السياسة البذيئة رئيس البرازيل المنتخب، جايير بولسونارو، والذي نجح في تسجيل رقم قياسي من الشتائم ومن البذاءة في وقت قصير، متجاوزاً أقرانه من الشعبويين واليمينيين المتطرّفين في كل أصقاع العالم. بدأ بشتم خصومه السياسيين، وخصوصاً من اليسار، بكلماتٍ بذيئة، وبتهديدات مبطنة ومفضوحة بالقتل وبالتصفية، آخذاً الديكتاتورية العسكرية التي سبق وحكمت البلاد مثالا يُقتدى به. ومن جديد "نهفاته" البذيئة، سخريته من سن زوجة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وشكلها، رداً على انتقاد سياسي وجّهه هذا الأخير إلى سياسات الرئيس البرازيلي البيئية، وعدم التزامه بما قطعه على نفسه من وعود، بخصوص هذا الملف، في أثناء القمة الدولية المناخية التي جمعتهما. وقد تبعه في ذلك وزراؤه، ليصل الأمر بوزير الاقتصاد إلى أن يصرّح علنا بالأمس القريب إن زوجة الرئيس الفرنسي "كما قال الرئيس، وهي فعلاً كذلك، شنيعة فعلاً".
وفي الوقت نفسه، ورداً على المفوضة الأممية لحقوق الإنسان، الرئيسة التشيلية السابقة، ميشيل 
باشليه، التي انتقدت انحسار الديمقراطية في البرازيل، بعد وصوله إلى قصر الرئاسة، فقد تصدّى لها بولسونارو بمستوى "متميّز" من الصفاقة، ناعتاً إياها بـ"الشيوعية التي لم تجد لها عملاً بعد الرئاسة"، ومذكّراً بإعجابه الشديد بالدكتاتور الفاشي أغوستو بينوشيه الذي حكم تشيلي (1974 ـ 1990) بالدم والنار، وأمر بقتل والدها الجنرال الطيار في الجيش الوطني في معتقله.
صارت مدرسة بولسونارو في البذاءة علماً في المشهد السياسي الحديث، حيث خرج انعدام التهذيب من حقل الديكتاتوريات التقليدية إلى مجال الديمقراطيات الحديثة التي تشعر في بعض رموزها، كما صرح بولسونارو نفسه مراراً، بالحنين إلى زمن الحكم العسكري.
وعربياً مرة أخرى، يبدو أن هذا الأسلوب صار يستهوي بعض النخب السياسية والدينية وحتى الثقافية، وبعض العامة. ووصل الحال ببعضهم، من مختلف الفئات المشار إليها، لاعتبارها جزءاً من حرية التعبير، ومن الممارسة الديمقراطية للسياسة، ويكفي أن نرقب المشهد الإعلامي التونسي مثلاً لنسمع مستوىً ضحلا من الخطاب السياسي، والثري بالشتائم والهمز واللمز. وصار مطلوبا أن تضيف كليات العلوم السياسية إلى مناهجها علمي "الأخلاق" و"الجمال" لتبتعد بالسياسة بمفهومها النبيل، نعم فلها هذا الجانب، مهما شكك المشكّكون، عن مستنقعات التعبيرات البذيئة والأمثلة القبيحة.
وقد ردّ الرئيس ماكرون على نظيره البرازيلي، مكتفياً بالتعبير عن الأسف لمجمل الشعب البرازيلي لوقوعه تحت رئاسةٍ من هذا المستوى، على الرغم من أن وصولها كان ترجمة لإرادة صناديق الاقتراع. .. صندوق الاقتراع لا يمكن أن يختزل الديمقراطية.
تعليق: