تهالك القطاع الصحي في ليبيا... تزايد وفيات المواليد الجدد

13 فبراير 2020
الصورة
نقص الأوكسجين يعرض المواليد للوفاة أو الإعاقة (Getty)
+ الخط -
فقد الثلاثيني الليبي محمد الترهوني طفله بعد 24 ساعة من ولادته في مستشفى الجلاء لأمراض النساء والولادة الحكومي في طرابلس، ولم تنجح محالاوته لمعرفة السب، إذ لم يخبره الأطباء بما حدث، مكتفين بالرد "أهم شيء سلامة الأم"، كما قال لـ"العربي الجديد".

ويعد طفل الترهوني واحدا من بين 258 طفلا توفوا خلال عام 2018، من إجمالي المواليد في مستشفى الجلاء، البالغ عددهم 8401 طفل، بحسب ما جاء في التقرير الإحصائي السنوي للمستشفى، الذي أوضح أن أسباب الوفاة توزعت بين صعوبة التنفس والوفاة داخل الرحم، واختناق ولادي، إضافة إلى أسباب أخرى، بحسب التقرير ذاته.

وتربط أخصائية النساء والولادة مروة محمد، التي سبق أن عملت في مشفى الجلاء قبل أن تنتقل إلى مصحة خاصة بطرابلس، بين وفاة الأطفال وإصابتهم بالإعاقة عقب الولادة وبين نقص الأوكسجين، مضيفة لـ"العربي الجديد": "نقص الأوكسجين لدى الجنين أثناء الولادة، والخطأ الطبي أو التهاون كلها أمور شديدة الخطورة"، مضيفة أن هذه الأسباب قد تؤدي إلى إعاقات الجهاز العصبي المؤدية إلى حدوث أنواع مختلفة من الإعاقة للمولود، وقد يصل الأمر إلى وفاته.

لكن الدكتورة منال الفقي، مساعدة المدير العام للشؤون الطبية بمستشفى الجلاء، تقول لـ"العربي الجديد": "المستشفى لا يترك بدون أوكسجين، وبسبب استقبال المستشفى لحالات أكثر من طاقته الاستيعابية، يحدث نقص الأوكسجين".

غير أن مدير إدارة متابعة القطاع العام بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، أبوبكر الحصائري، يؤكد على عدم وجود أجهزة أوكسجين وتعقيم جيدة في مستشفى الجلاء، كون خدمات الشركة المعنية بالتعقيم ضعيفة، الأمر الذي قد يؤثر على سلامة المواليد، مشيرا إلى أنهم طالبوا عدة مرات برؤية العقد الخاص بالشركة، لأن هناك شبهات فساد حول طريقة التعاقد، كما يقول.


الوضع الصحي السابق لمشفى الجلاء في طرابلس، يعد علامة على تهالك القطاع الصحي الليبي في ظل الحرب الدائرة، إذ تكشف دراسة عن تقييم مدى توافر الخدمات الصحية ودرجة الجاهزية أجرتها منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة الليبية عام 2017، أن 17.5% من المستشفيات و20% من مرافق الرعاية الصحية الأولية و18 مستشفى متخصصاً تعرضت للتدمير الجزئي أو التام، وأن المرافق الصحية التي ما زالت تعمل معرضة للهجمات، وقد أبلغت منظمة الصحة العالمية في عامي 2018-2019 عمّا يزيد عن 41 هجوماً استهدف العاملين في مجال الصحة والمرافق الصحية، وفق ما وثقته المنظمة ونشرته على موقعها الإلكتروني في فبراير/شباط 2019.

ويؤثر انعدام كفاية فرص الحصول على الرعاية الصحية كذلك على النساء والأمهات اللاتي يحتجن إلى خدمات الصحة الإنجابية، وخدمات صحة الأمهات والمواليد وكذلك المرضى المصابين بالأمراض المزمنة، والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ومن يعانون من الأمراض النفسية، وفق ما تؤكده منظمة الصحة العالمية.



إعاقة الأطفال أثناء الولادة

أجرى البنك الدولي مسحًا في مارس/آذار من عام 2018 لمرافق الرعاية الصحية الأولية الليبية كشف عبره أن نفاد الأدوية أمر شائع، إذ أبلغ 57 في المائة من مقدمي الخدمات عن نقص الإمدادات الأساسية، على سبيل المثال الضمادات والحقن إلى جانب المعدات الطبية الوظيفية والمواد والإمدادات الإدارية، وهو ما يؤثر سلبًا على قدرتهم على أداء وظائفهم.

وفي ظل هذا الوضع يؤكد نزار القبلاوي، رئيس منظمة أكفاء للتنمية (مؤسسة مجتمع مدني معنية بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة)، أن أغلب تقارير ملفات الحالات الطبية للأطفال، المحالة إلى منظمته، وعددها 27 حالة تتابعها المنظمة، تعاني إما من شلل رباعي، أو نصفي، بسبب نقص الأوكسجين أثناء عمليات الولادة، مشيرا إلى أن الإعاقة تحدث في الأطراف العلوية أو السفلية للطفل، كـ"شلل القدمين أو اليدين"، فضلا عن ضعف النمو الذي يشكل 99% من الحالات، وهو ما حدث مع طفل الأربعيني الليبي عبد القادر محمد صالح، الذي فوجئ بإعاقته بعد عامين من ولادته في مستشفى الجلاء للولادة، دون أن يعرف السبب، لكنه يقول لـ"العربي الجديد"، إن لديه خمسة من الأبناء لم يعان أحد منهم من الإعاقة، مضيفا أن زوجته عانت قبل إنجاب طفلها في العام 2016، بعدما رفض مستشفى الخضراء استقبالها بحجة عدم توفر سرير، كما رفض مركز طبي آخر ذلك أيضا، طالبا من صالح الذهاب بها إلى مستشفى خاص، وهو ما لم يكن بمقدوره فعله لعدم توفر المال لديه، كما يقول.

إغلاق مصنع الأوكسجين

تعاني مستشفيات ليبيا من نقص في الأوكسجين، بعد إغلاق المصنع الخاص به عقب العمليات العسكرية التي تشنها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس، الأمر الذي تسبب في تزايد عدد الوفيات من الأطفال، ومن لم يمت قد لا ينجو من الإعاقة أثناء عمليات الولادة، وفق ما وثقه معد التحقيق أثناء جولته الميدانية في المستشفى الجامعي بطرابلس ومستشفى الجلاء، الذي عانى من نقص الأوكسجين، بحسب مديره الدكتور عبد الرحمن الشارف.

ويعتمد مستشفى الجلاء على الأوكسجين الذي يجري تصنيعه في مصنع بجنوب طرابلس، بحسب الدكتور الشارف، مشيرا إلى أن نقص الأوكسجين يحدث عندما تتزايد الحالات في المستشفى، كون مستشفاه يغطي المنطقة الغربية بالكامل وجميع عمليات التطوير متوقفة، ولا توجد قدرة استيعابية للمستشفى، مضيفا: "نعمل بما توفر من إمكانيات، وأحيانا يشتري المريض القفازات للأطباء حتى تتم العملية".

وفاقم من وضع مستشفى الجلاء، توقف قسم النساء والولادة في المستشفى الجامعي عن العمل للصيانة، أما مستشفى الخضراء الحكومي فمخصص للطوارئ فقط، بحسب الدكتور الشارف، قائلا إنهم لا يتحملون المسؤولية القانونية بسبب نقص الأوكسجين، بل تتحمله وزارة الصحة، لأنها الجهة المسؤولة عن المستشفى الذي يشتغل في ظروف صعبة.

ويرد مدير الشؤون الطبية بوزارة الصحة التابعة لحكومة الوفاق الوطني، الطاهر بن عبد العزيز، بالقول: "معظم المستشفيات تعاني من نقص الإمدادات، ونحن نعيش في حالة حرب"، مؤكدا على وجود لجان طوارئ لمتابعة الأمر.


ضعف الرعاية الصحية

تشهد مختلف مشافي ليبيا نقصا في الموارد الطبية منذ عام 2015، بحسب الاختصاصية مروة محمد، التي تشير إلى أن الحصول على بعض المستلزمات الطبية من وزارة الصحة يتم بشق الأنفس، نتيجة سياسات التقشف في الموازنة العامة.

وبلغت الموازنة العامة للدولة 66.8 مليار دينار في عام 2013، لكنها انخفضت إلى 37.5 مليار دينار في عام 2017، وهو ما انعكس على موازنة الصحة التي كانت في العام 2013 5.3 مليارات دينار، وانخفضت إلى 3.5 مليارات في العام 2017، وفقا لتقرير ديوان المحاسبة الليبي.





ويلفت تقرير ديوان المحاسبة عن عام 2017، إلى أن معدلات الرعاية الصحية خلال السنوات السابقة متدنية وسلبية، ولا توجد رعاية صحية بالمستشفيات القروية والمناطق النائية بسبب شح الأموال ونقصها وبحسب بيانات المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فإن موازنة الصحة 4 مليارات دينار من إجمالي موازنة الدولة البالغة 42.5 مليار دينار ليبي لعام 2018.

ويشتكي الدكتور الشارف من أن موازنة عام 2019، المقدرة بـ3 ملايين دينار ليبي، لم تصل كاملة للمشفى، (إجمالي موازنة وزارة الصحة 4.4 مليارات من بين موازنة الدولة المقدرة بـ46.8 مليار دينار)، مضيفا أن المستشفى يعاني من نقص الميزانية التي تؤثر سلبا على العمل، رغم أنهم يقومون بـ15 ألف عملية جراحية سنوياً، وهو ما يتطلب 7 ملايين دينار في العام الواحد.

ويرد رئيس قسم المناطق التابع لإدارة الشؤون الطبية بوزارة الصحة، موسى سويسي، بالقول: "نناقش متطلبات مستشفى الجلاء، لكن التركيز منذ فترة على بعض المستشفيات التي تستقبل الجرحى ممن يصابون نتيجة المعارك في طرابلس".

دلالات