تموضع أردني خارج حسابات الخليج

تموضع أردني خارج حسابات الخليج

31 اغسطس 2020
+ الخط -

في محاولة لتجاوز الحقبة السعودية في قيادة العالم العربي التي هيمنت على القرار العربي، منذ اتفاق كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، وتاليا خروج الجزائر والعراق في عقد التسعينيات من التأثير في القرار العربي، بفعل العشرية السوداء في الجزائر وحصار العراق، يذهب الأردن اليوم إلى بناء علاقة مع كل من مصر والعراق، على أمل أن يوفرا جناحيْن يحلق بهما في مواجهة سلسلة من الخيبات والأزمات التي تعصف بالمنطقة.
يمكن القول إن الأردن، الدولة الفقيرة والصغيرة، تقع بين مجموعة من اللاعبين الكبار (السعودية ومصر والكيان الإسرائيلي وسورية والعراق)، وهي معادلة فرضت على البلاد نحو قرن، هو عمر الأردن الحديث، سلسلة من التحالفات والتقاطعات التي كانت تؤدي دوما إلى توفير مخرج للأردن في مواجهة التزاحم الإقليمي والعربي الذي كانت القضية الفلسطينية على الدوام عنوانه الأبرز.
عاش الأردن الإمارة حقبة التنافس بين الممالك العربية، كانت مملكة العراق الهاشمية الأقرب للأردن في مواجهة الملكية في كل من السعودية ومصر، ومن ثم وجدت المملكة نفسها في سياق صراع عربي بين محور الرجعية العربية والمحور التقدمي الذي تقوده مصر جمال عبد الناصر، لتبلغ الأزمة ذروتها مع مجزرة الهاشميين في العراق، فيما كانت القضية الفلسطينية عنوان هذا الصراع والتنافس.
ما إن انتهت هذه الحقبة برحيل عبد الناصر، وجد الأردن نفسه أمام استحقاق إيجاد ممثل شرعي ووحيد للقضية الفلسطينية، بينما كانت ثروة النفط وتأثيرها العميق على البنية الاقتصادية والاجتماعية على عموم المنطقة، ثم استجدت الحرب العراقية الإيرانية التي وجد الأردن نفسه منخرطا فيها، لتأتي نهايتها بالتزامن مع الانتفاضة الفلسطينية التي أوجدت واقعا جديدا انتهى بعزل العراق بعد غزوه الكويت، والذهاب إلى مؤتمر مدريد ومن ثم اتفاق أوسلو ومعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية التي أسست لواقع جديد، نقل الأردن من دولة مواجهة إلى عنوان للسلام.
بقي الدعم العربي للأردن مستندا لجغرافيا البلاد التي كانت طوال سنوات المواجهة، وتاليا السلام، موفرة للبلاد واقعا جيوسياسيا، بوصفها محطة عصية على التجاوز، ما مكّن البلاد، على الدوام، من امتلاك القدرة على تجاوز الأزمات التي تعصف بالإقليم، ومحاولة الأطراف المتصارعة ذلك، ما حال دون عزل البلاد أو إدماجها قسرا في تحالفاتها.

فرصة لتوفير مخرج للأردن يمكّنه من التموضع خارج إطار التنافس الخليجي، وتنلاقى مع رغبة عراقية بالتموضع، بعيدا عن الفلك الإيراني

منذ فشل مؤتمر كامب ديفيد، ومن ثم إفشال المبادرة العربية للسلام، تشكل في المنطقة محوران كانا في إطار التصارع، توزعا بين محور الاعتدال العربي، المتمثل في السعودية ومصر والإمارات والأردن، مقابل محور الممانعة الذي يضم إيران وسورية وحزب الله وحركة حماس، والذي انتهى عمليا ما بعد موجة الربيع العربي، واندلاع الأزمة السورية. وفي مواجهة هذا الفراغ الاستراتيجي، عوّل الأردن على توفر الدعم اللازم من خلال انخراطه في الحرب على الإرهاب أو قضية اللاجئين، أو محاولة الاندماج في الكتلة الخليجية (مجلس التعاون الخليجي) أو من خلال توفير الدعم الخليجي للأردن من خلال المنحة الخليجية. وانتهت تلك المبادرات مع تراجع أولوية القضية الفلسطينية، وتنامي تيار مواجهة إيران، والذي انتهى عمليا في الاتفاق الاستراتيجي ما بين الإمارات وإسرائيل، وهو اتفاقٌ جاء محصلة جملة من المقدّمات، بدأت بتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، لتنتهي بتحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل في الوصول إلى تسوية عادلة. ويحمّل التقارب الخليجي الإسرائيلي الأردن أعباء كبرى، نتيجة انكشاف ظهر الأردن، فيما يتعلق بمستقبل القضية التي تمسّ، بشكل جوهري، أمن البلد ومصالحه الحيوية في ملفات الحل النهائي التي تشمل اللاجئين والحدود والأمن والمياه والاستيطان والمقدّسات.
في غمرة هذا الاندفاع، جاء رئيس وزراء العراق، مصطفى الكاظمي، وهو أيضا مدير المخابرات العامة العراقية، إلى عمّان، محمولا على مشروع إعادة تموضع العراق عربيا، في محولة لتخفيف الهيمنة الإيرانية على العراق المحتل والمغزو أميركيا عام 2003. وكانت القمة المصرية العراقية الأردنية التي عقدت في عمّان، قبل أيام، والتي تأتي في إطار ما يسمى "مشروع الشام الجديدة"، وفق تسمية الكاظمي، قياسا على النسق الأوروبي، والذي من خلاله ستكون تدفقات رأس المال والتكنولوجيا أكثر حرية، على أساس التفاهمات الاقتصادية والسياسية بين مصر التي تمثل كتلة بشرية والعراق كتلة نفطية، وهو ما دفع الأردن إلى قلب هذا التفاهم، استنادا إلى معايير الجغرافيا الأردنية التي تربط بين البلدين. وتشكل هذه المبادرة اليوم فرصة لتوفير مخرج للأردن يمكّنه من التموضع خارج إطار التنافس الخليجي، وتلاقيا مع رغبة عراقية بالتموضع، بعيدا عن الفلك الإيراني، والذي سيكون لمفاعيل الاتفاق الإيراني الأميركي الذي يجري التحضير له ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، أثر واضح على مجمل التحالفات والتقاطعات في الشرق الأوسط.