تمور عُمان... أسرار وذكريات

16 سبتمبر 2019
الصورة

مشهد أشجار نخيل في الحمرا في عُمان (10/5/2018/Getty)

+ الخط -
يستمر حاليا في القرى العُمانية موسم ما يسمى "الجداد"، وهو آخر مراحل جني التمر، وبالتالي فصل النخلة تماما عن عذوقها، في انتظار دورة إثمارٍ مقبلة. ولكنْ قبل الوصول إلى هذه النهاية الحتمية، تمر الحياة في النخلة وحولها بأطوارٍ يعرفها سكان القرى جيدا، ويحفظونها كما يحفظون أسماء أبنائهم، فكل مائدة ليس فيها تمر تظل ناقصة، وكل أرضٍ ليست فيها نخلة لا قيمة لها. كما يمكن أن يُكتفى بالتمر وحده في المائدة، كما يحدث في مناسبات العزاء. ومنه يُصنع الخل والعسل. وحتى الأعمى، كان مُطالبا بأن يعرف أنواع التمر، بلمس قشرتها أو بتذوقها. بل إن الأطفال أنفسهم كانوا ملزمين بأن تكون لهم معرفة بأنواع التمر الذي كان يشكلّ مركز اختبار صعب لهم. 
وحقل النخيل يسمّى المال، وفي ذلك دالٌّ لا يقف مدلوله عند حدود التسمية، فكل من يبيع أرضا في القرى يبيع، في الواقع، نخيله، ومهما كان فيها من مزروعاتٍ أخرى، لن تدخل في الحسبة. وأي رقم نختار تحت المائة يظل مؤقتا وقابلا للارتفاع، لأن اسما جديدا سيُضاف إلى اللائحة، ففي حياتنا عرفنا مجموعة كبيرة من المسمّيات لأنواعٍ من التمور العُمانية، تبدأ بثمرة النغال أو البشارة، ولا تتوقف بسهولة بعد ذلك، ففي كل ولايةٍ وبلدةٍ ثمرة تفاخر بها قرى وبلدانا لديها، هي الأخرى، أنواع من التمور التي تتميز بها. وفي بداية تحوّل الثمرة من الأخضر إلى الذهبي، وفي ما يشبه الشغف واختصار الزمن، يقوم بعض الأهالي بتفغيرها أو تبسيلها، أي غليها في أفرانٍ خاصة، حتى تلين ويتركز سكّرها، فتتحول إلى ما يشبه قطعةً من الحلوى تقدّم ساخنة في وعاء من فراغ.
وتُحاط النخلة وثمارها بالقدسية والتقدير الشديدين. وكان يُراعى في تسوير الأفلاج والسواقي موقع النخلة أساسا، وقد تدفع الضرورة إلى إمالة جدول مستقيم وتعريجه، لأن نخلةً ما اعترضت طريق بنائه، غير أن ما يبعث على الاستغراب، أنه على الرغم من كل هذه الأنواع الغزيرة من التمر، أصبحنا نستورد معظم عصيرها من الخارج، وهو ما يسمّى "الدبس"، والذي يكون خفيفا كالماء أو حامضا. أما الدبس العُماني الفاخر الذي كنا نشبّهه بالحلوى لسماكته فقد غدا نادرا جدا، فلم تسعَ وزارة الزراعة، حتى الآن، إلى إيجاد ماركةٍ محليةٍ منافسة للمستورَد، تزيح عنا حموضته وخفّته، فتحلّ الجودة مكانه، ناهيك عن الربح والجني المالي. في خطواتٍ كانت ستكفي المستهلك مؤونة تعب استيراده من بعيد، على الرغم من توفر التمر بأنواعه؛ فكيف حال بقية الثمار إذا كان هذا العجز يحدث مع الشجرة الأولى في البلاد؟ تلك التي اجترح منها الأهالي اشتقاقاتٍ لا تُحصى، ونبغت مخيلة الأجداد في استثمارها إلى أبعد الحدود، فهي عمّة كما جاء في الحديث النبوي، وأحد رموز الجمال كما قال محمود درويش: "الجميلات هن الطويلات خالات نخل السماء". وكان إخوان الصفا، في رسائلهم، يعتبرون النخلة أرقى النباتات على الإطلاق، والأقرب مرتبةً من البشر. ومن ذكرياتي، في سياق الاحترام والتقدير هذا، أن جدّي كان يظن أن الثمرة تنزل من رأس النخلة طاهرةً مغسولة، وأن من يتجرّأ على غسلها يقترف "ذنبا" يوجِب عقابا ينزل به أمام الملأ.
وتوصف الثمرة بالرّطبة، حين تكون في طور التحوّل إلى تمرة سوداء، عندما يبدأ رأسها في الترطّب، فيما نصفها الآخر لا يزال ذهبيا ناصعا في لمعانه، لم يتحوّل بعد، فهي، في كل طور، تحمل اسما جديدا، يبدأ باسم الخلالة، ثم البسرة، ثم الرطبة، ثم التمرة. وحين تصير رطبةً، تدور بين الموائد بشغف كبير، من دون انتظار اكتمال تحوّلها، لأن مذاقها يكون، في هذه المرحلة، لذيذا جدا. وفي الوقت نفسه، تكون عصا جدي، هي الأخرى، في كامل تحفزّها، "تلسع"، في حالة كرّ وفرّ، ظَهْر كل من قد تسوّل له نفسُه غسل تلك الثمرة الطاهرة. وقد شهدتُ، في طفولتي، "معارك" من هذا القبيل بين عصا جدّي وأي "مذنب"، بغضّ النظر عن عمره. وطبعا، لن أقول إني لم "أتذوق" بدوري لسعات عصاه، حين كنت أنسى وأغطس إحدى تلك "الرّطَبات" في وعاء التنظيف. ولم أكن أنتبه إلا وقد هوتْ عصا جدّي على ظهري، فأقفز في مكاني، متوثبا، والتمرة في طريقها إلى فمي.

دلالات

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي