تمرين سياسي وفكري ناجح

تمرين سياسي وفكري ناجح

20 مايو 2015
الصورة

تباينات في المغرب بشأن الإجهاض سياسية وفكرية (Getty)

+ الخط -
تمرين سياسي وفكري ما جرى في المغرب، أخيراً، حول الإجهاض، انقسم فيه المحافظون والحداثيون إلى صَفّين. يدعو الأول إلى منع الإجهاض، باعتباره مخالفاً للشرع الإسلامي. ويدعو الثاني إلى إعطاء المرأة حق تقرير مصير جسدها، من دون تدخلٍ من أحد، وبالتالي، إباحة الإجهاض من دون قيد وشرط. وبين المعسكرين، وقف معتدلون هنا وهناك، يدعون إلى صيغة توافقية في موضوع حساس.

بادر الملك محمد السادس، وتدخل في الجدل، مشهراً عصا التحكيم التي يمنحها إياه الدستور، فعمد إلى تشكيل لجنة فيها وزير العدل والحريات، وهو إسلامي معتدل، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو يساري قريب من السلطة، ووزير الأوقاف، وهو محسوب على الصوفيين. وطلب من الثلاثة إجراء حوار هادئ، واستشارة معمقة مع كل صاحب رأي، وإعداد صيغة توافقية لمشروع قانون جديد حول الإجهاض، تخرج المغرب من ورطة الانقسام الهوياتي بين الفرقاء، فما كان من اللجنة إلا أن وضعت مشروعاً لقانون جديد، لا يبيح الإجهاض، لكنه يستثني حالاتٍ بعينها، مثل الحمل الناتج عن الاغتصاب، أو زنا المحارم، أو الحالة التي تكون فيها حياة الأم مهددة بالخطر، إن استمر الحمل أو في حالة ظهور آثار مرض مزمن، أو إعاقة ذهنية على الجنين. في كل هذه الحالات، يجوز للمرأة، أو الأسرة، اللجوء إلى الإجهاض الذي لم يعد تابو، بل صار قانوناً له استثناءات.
ما جرى من اختلاف حول الإجهاض يعبّر عن اختلافاتٍ سياسية وفكرية وفلسفية في المجتمع المغربي بين التيارين، المحافظ والحداثي. يرى الأول أن التشريع لا يمكن أن يخرج عن المرجعية العليا للإسلام، وأن أقصى ما يمكن فعله هو الاجتهاد داخل النص. وعليه، فإن الحالات الثلاث الواردة أعلاه، كاستثناء من قاعدة تحريم الإجهاض، هي الممكن الفقهي والتشريعي الآن، على اعتبار أن المرأة ليست حرة بإطلاقٍ في جسدها، وأن للدين والمجتمع والمشرع قولٌ في الأمر. وهناك التيار الحداثي الذي ينطلق من سمو المرجعية الليبرالية لحقوق الإنسان على ما دونها في التشريع وغيره، ومن ثم ينادي بإباحة الإجهاض، مادام يدافع عن إباحة العلاقات الجنسية الرضائية. وبالتالي، المرأة حرة في جسدها، تفعل به ما تشاء. ولهذا، يجب السماح بالإجهاض، من دون تدخل من المشرّع.
ويعرف المحافظون أن المجتمع في جانبهم، ولهذا، فإنهم مطمئنون، أما الحداثيون فقد أصيبوا بخيبة أمل. وعلقت القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، خديجة الرويسي، على الصيغة التي انتهت إليها المشاورات حول الإجهاض بالقول (أصبح الظلاميون يسجلون انتصاراً تلو الانتصار. ها هم يجهزون على قانون الإجهاض، ويستعدون لفرض قانون جنائي مستوحى من العهد البدائي). واختار الباحث المتخصص في العلوم السياسية، محمد الطوزي، التحليل على إبداء الموقف، وقال بشأن الصيغة التي جاءت في بلاغ الديوان الملكي، ولخصت توافقاً حول موضوع حساس: لا أحد كان يتوقع أن يصبح الأصل في الإجهاض الإباحة، والمنع هو الاستثناء. المجتمع المغربي لا يسمح بتجاوز هذا السقف، لكن الهامش يمكن توسيعه في الممارسة الواقعية.
أصيب من كان ينتظر ثورة في موضوع الإجهاض بالصدمة، وأصيب من كان ينتظر أن لا يفتح أي باب للاستثناءات بالاكتئاب، ومن كان واقعياً يعرف طبيعة المجتمع المغربي وتركيبته العقلية والنفسية، وتشبثه بالهوية الدينية، فإنه اعتبر الأمر خطوة كبيرة نحو تحديث المدونة الجنائية وعصرنتها، وهي التي لم تعد صخرة صماء، لا تستمع إلى أحد، بل صارت تتفاعل، ولو في حدود، مع طلبات المجتمع وضرورات العصر وقيم الدنيا التي نعيش فيها. المجتمعات المحافظة لا تتطور بالقطائع، بل بالتراكم، لا تتغيّر من فوق، بل من تحت.
صناعة التوافق جزء من إدارة المرحلة الانتقالية، والابتعاد عن الانقسامات الهوياتية هو مفتاح السلم الأهلي والتطور الديمقراطي اليوم، في عالم عربي يتعلم كيف يعيش بين الأمم المتحضرة.