تمبكتو وما يصفّق له الغرب

29 ابريل 2015
الصورة
لقطة من الفيلم

أعلن موقع "أندي واير"، المعني بشؤون الأفلام العالمية المستقلة، بأن فيلم "تمبكتو"، للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو، الحاصل على العديد من الجوائز العالمية، والذي رشح للأوسكار الأميركي الأخير، ولـ"كان" الفرنسي، ونال سبع جوائز السيزار الفرنسي، يحقّق اليوم نجاحاً في صالات العرض الأميركية.

نجح الفيلم حتى الآن بإدخال أكثر من مليون دولار، في أميركا فقط، وهذا يعتبر نجاحاً غير مسبوق لفيلم أفريقي، أخرجه أفريقي. لا بد أن تُفرح هذه الأخبار السينمائين العرب والأفارقة، فهذه النجاحات تبّشر بإمكانية اختراق السوق الأميركي المُحكم والوفي للمنتوج الأميركي أساساً. لكن هذه الأخبار ليست مدعاة للفرح برأيي.

هناك ميزة خاصة لدى سيساكو، وهي قدرته التي لا يستهان بها في تصوير ابن الصحراء الأفريقية بطهارته وصفائه؛ وكأنه شجرة هادئة مغروزة عميقاً في واحة من واحات الصحراء الكبرى. يصور أهل الصحراء وكأنه ينظم شعراً حول نقائهم.

وحين يُقابَل هذا التمثيل للصحراويين في "تمبكتو"، مع الجسم الغريب الذي دخل على تلك البيئة، "التكفيريين"، يفضي هذا الى إبراز ناجح للمفارقات الوجودية هناك. لكنّ السؤال الذي يُسأل: هل هذا يكفي من أجل نسج وحبك فيلم سينمائي؟

الجواب، برأيي، كلا بالطبع. فبالرغم من احتواء الفيلم على مشاهد جميلة صورها التونسي البارع سفيان الفاني، إلا أننا نكاد نكون أمام عمل لمخرج غير محترف.

إن التمثيل في الفيلم هو استهانة بذكاء المشاهدين. يمكنك أن تتخيل جزءاً من الشخصيات وهي تردّد ما حفظت من نص. لا شيء يمكن أن يبرّر هذا التمثيل الساذج.

"الشاعرية" الموجودة في "تمبكتو" لا تشفع له، أو للمخرج، تقاعسه في عمله المفترض مع الممثلين. هل كان المشاهد الغربي سيقبل مشهداً من فيلم فرنسي أو بلجيكي (دعنا نقول للأخوين داردين وواقعيتهما الجميلة)، يُرى فيه طفل يبكي، ويلهج على نسق مسرحيات الحارة التي كنا نلعبها في الطفولة، فلا دموع هناك، والتأثر مصطنع، واللهج مفتعلٌ بكل وضوح؟

لا شيء يمكن أن يبرّر الانفعالات المفتعلة للطفلة في الفيلم، التي بدت وكأنها على نسق المسلسلات الأردنية في بداية التسعينيات. القائد أبو الحسن يذكّر بطريقة تمثيله - ونظراته بالذات - بشخصية الشرير في أفلام "النينجا" الأميركية من ثمانينيات القرن الماضي. أتساءل، تحت أي خانة فنية أو بحسب أي منطق إنساني/أنثروبولوجي/نفسي، يمكن أن نفهم أمرأة سيُعدم زوجها الذي تحبّه ولا يحدث أي تغيير على تعابير وجهها، وكأنها تمشط شعرها في مشهد آخر؟

ودعنا لا نلجأ إلى التفسير بأن هذا التمثيل هو جزء من طابع أو صبغة الفيلم الفنية (مثل لون التمثيل الخاص في أفلام الفنلندي كاوريسماكي، أو الألماني فاس بندر) فإن كان كذلك، لكان لون التمثيل موحّداً ومتجانساً لدى كل الشخصيات. الحقيقة هي أن الممثلة التي قدّمت دور الأم ضعيفة إلى درجة يمكننا أن نشك بأن سيساكو قصد أنها تعاني من مرض التوحد.

كيف تغنّي امرأة حين تُجلد وتتألّم؟ ما كل هذا الإفراط في الرومانسية الممجوجة؟ كيف يُرجم رأسا شخصين بوابلٍ من الحجارة من غير أن نرى الآثار والدماء في رأسيهما ووجهيهما؟ كيف، يمكنك إطلاق النار على إنسان حين تضمه بكلتا يديك؟

لقد شاهدت مشهد قتل أمادو (وهو نقطة التحوّل في الفيلم) أكثر من مرة، لكي أفهم كيف أطلق كيدان النارَ على أمادو حين كان يضمه بكلتا يديه فلم أفهم. وأمثلة أخرى على ما لا يُهضم سينمائياً، وما لا يُقبل من مخرج غربي، في حين يغض النظر عنه من المسلم الأفريقي.

وإن كان اللون الواقعي - على مستوى اللغة السينمائية - يطغي على الفيلم، واتّباع نهج الكاميرا المراقِبة والبعيدة في التصوير والتي حين تجتمع مع الهدوء المهيمن على الأجواء، تبرز التناقضات - بنجاح -  في العالم الذي يعالجه المخرج، وهو ما اعتدنا عليه في افلام سيساكو السابقة؛ إلا أن ثمة مشاهد تفاجئك بتصويرها ومونتاجها وحتى بموسيقاها غير المتجانسة مع العمل (مشهد قتل البقرة مثلاً).

ناهيك عن الاستهتار بالمشاهد العربي من خلال التعامل باستخفاف مع اللغة العربية في الفيلم، كأن تسمع أشخاصاً يتحاورون بجملٍ غير كاملة أو ليس لها معنى بالعربية لكنها تترجم بالإنجليزية والفرنسية بحسب ما قصد الكاتب في السيناريو.

الأرجح أن السبب المركزي لهذا الترحيب بفيلم "تمبكتو" في أوروبا وأميركا يعود إلى إدانته للجماعات التكفيرية (وهو عملٌ مبارك لا شك). أما التوقعات الفنية فيغض عنها الطرف نظراً إلى أن المخرج أفريقي والتوقعات الفنية منه متواضعة. لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن "تمبكتو" في المحصلة فيلم استشراقي، لكن المسحة الشاعرية تجعله يبدو أقل استشراقاً مما هو عليه.


* سينمائي من فلسطين

دلالات