تلاميذ لبنان... نزوح من المدرسة الخاصة إلى الرسمية

02 اغسطس 2020
الصورة
في إحدى المدارس الخاصة (حسين بيضون)

مع تفاقم الأزمة المعيشية والاقتصادية في لبنان، بدت هواجس ومخاوف الأهالي حول مصير العام الدراسي المقبل ومستقبل أبنائهم المجهول أكثر وضوحاَ، في ظلّ عجزهم عن تسديد الأقساط الدراسية للأعوام السابقة وتعثّر الحلول المعتمدة في معظم المدارس الخاصّة والغلاء الفاحش بأسعار القرطاسية.
وفي حين يتريّث العديد من الأهالي في تسجيل أولادهم في المدارس أو في طلب إفادات بهدف نقلهم إلى أخرى، بادر آخرون إلى طلب الإفادات والتوجه إلى مدارس أقلّ كلفة أو رسمية (حكومية)، ما ينذر بأزمة حقيقية تطرح احتمال أن يشهد القطاع التربوي موجة "نزوحٍ" كبيرة من التعليم الخاص إلى الرسمي، وتثير التساؤلات حول مدى قدرة الأخيرة على استيعاب هذا الكم الكبير من التلاميذ، لا سيّما أنّ هذه المدارس باشرت في تسجيل تلاميذها القدامى وعمدت إلى وضع أسماء الجدد على لائحة الانتظار.

مساعٍ لاحتواء الأزمة
يوضح رئيس مصلحة التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان، عماد الأشقر، لـ "العربي الجديد"،  أنّ "المراجعات الواردة إلى الوزارة تشير إلى عملية انتقال كبيرة من التعليم الخاص إلى الرسمي أكثر من السنوات السابقة"، موضحاً أنّها لا تقل عن 100 ألف تلميذ في المراحل كافّة. وعن مدى استيعاب المدارس الرسمية للأعداد الجديدة الوافدة، يقول: "هناك مدارس قادرة على الاستيعاب وأخرى ذات قدرة أقل ومدارس ذات قدرة معدومة. لذلك، نسعى إلى وضع حلول سواء من خلال وزارة التربية والتعليم العالي أو البلديات،

وأعلن وزير التربية والتعليم طارق المجذوب أنّه قد يضطر إلى استئجار مبانٍ جديدة أو استحداث أخرى بحسب حاجة كل منطقة، كي لا يبقى تلميذٌ خارج مقاعد الدراسة، خصوصاً مع تخصيص مجلس الوزراء مؤخراً 150 مليار ليرة لبنانية (100 مليون دولار بحسب سعر الصرف الرسمي) للمدارس والثانويات والمعاهد الرسمية من أصل 500 مليار ليرة (333 مليون دولار بحسب سعر الصرف الرسمي) لدعم القطاع التربوي". وحول الكلام المتداول عن إمكانيّة تخصيص دوامين صباحي ومسائي للتعليم الرسمي، يوضح الأشقر أن "كل الاحتمالات واردة لكن هناك صعوبة في بعض المناطق، نظراً لوجود دوام مسائي لتلاميذ اللاجئين السوريين. ونسعى لتصبح المدرسة الرسمية خياراً كالمدرسة الخاصة". ويتحدّث عن مدارس خاصّة لا يتعدّى عددها العشرين وقد أبلغت الوزارة بأنّها تنوي الإقفال نتيجة رغبتها بإعادة الهيكلة الكاملة من جهة وتراجع عدد التلاميذ من جهة أخرى. لكن ثلاث مدارس منها عادت وفتحت أبوابها، كما أنّ بعض المدارس يعمد إلى إقفال أقسام مثل الثانوي أو المتوسط أو بعض الفروع".

هل ينتقل البعض إلى مدرسة رسمية؟ (حسين بيضون)
هل ينتقل البعض إلى مدرسة رسمية؟ (حسين بيضون)

في مهبّ الإفادات
من جهتها، تؤكّد رئيسة اتحاد لجان أولياء الأمور في المدارس الخاصة في لبنان، لمى الطويل، أنّ "الخطر يطاول اليوم قطاع التعليم في لبنان نتيجة تعنّت إدارات المدارس الخاصّة وتمسّك غالبيتها بالحصول على أقساطها كاملة من دون إقرار أيّ حسومات كما أوصت وزارة التربية والتعليم العالي. لدى العديد منهم نفوذ أو أنهم تابعون لأحزاب سياسية ورجال دين. كما أنّهم يرفضون التدقيق في موازناتهم ويمتنعون عن إعطاء الإفادات للأهالي الراغبين بنقل أبنائهم إلى مدارس خاصة أقل كلفة، ما يؤدّي إلى ضغط كبير على المدارس الرسمية التي لا تطلب إفادات إلا من الوزارة. وهنا الكارثة التي سبق وحذّرنا منها، إذ إنّ المدارس الرسمية تعاني إهمالاً شديداً". تضيف أن وزراء التربية والتعليم العالي المتعاقبين أولوا اهتماماً للمدارس الخاصّة، من دون بذل أي جهد أو دعم لتطوير المدرسة الرسمية، مرتكبين بذلك جريمة يدفعون ثمنها اليوم".
وتقول الطويل لـ "العربي الجديد" إنّ "الأهالي يطلبون إفادات من معظم المدارس الخاصّة، والنسبة الأكبر من المدارس متوسطة الأقساط"، مطالبةً بـ "الإسراع في تشكيل المجالس التحكيميّة التربويّة، بدلاً من الاستمرار بالمماطلة والتعطيل منذ أكثر من 10 سنوات من قبل زعماء الفساد في البلاد، خصوصاً أنّ هذه المجالس تنصف الأهالي وتحميهم من الغطرسة، كونها تمكّنهم من الحصول على حُكمٍ يقضي بتقسيط الدفعات، ونقل أبنائهم إلى مدرسة أخرى". وإذ تأسف الطويل "لما وصل إليه الأهالي"، تقول إنه "لا ينقصهم سوى أن يُحرموا حقّهم في تعليم أبنائهم". وتلفت إلى أنّ "بعض المدارس الخاصّة ربما تقفل أبوابها بسبب نقص عدد التلاميذ، لكننا نسعى ووزير التربية إلى التفكير في وسائل لتأمين آلية انتقال تحفظ قطاع التعليم الخاص الذي لا نريد خسارته".

ضغوط على "الرسمي" 
وفي اتصالٍ لـ "العربي الجديد" مع بعض مسؤولي الثانويات والمدارس الرسمية، يعرب المعنيّون عن "إقبالٍ كبيرٍ من قبل الأهالي لتسجيل أبنائهم وحجز مقاعد لهم في التعليم الرسمي بعد عجزهم عن تحمّل أعباء الأقساط في التعليم الخاص، خوفاً من ضياع العام الدراسي". ويصف بعض المعنيّين الوضع بـ "الكارثي بكل معنى الكلمة، حتّى أنّ الأهالي يتوسّلون لتسجيل أبنائهم فيها، علماً أنّنا باشرنا منذ آخر أسبوع من شهر يونيو/ حزيران الماضي تسجيل التلاميذ القدامى، ولم نفتح بعد باب التسجيل للتلاميذ الجدد. هذا فعلاً واقعٌ مؤلم ونضطرّ أن نطلب منهم ملء طلبات التسجيل ليُصار إلى وضع أسماء أبنائهم على لائحة الانتظار، لكن من دون أن نعدهم بالتسجيل" على حد تعبير مسؤول في مدرسة حكومية.
ويرى آخرون أنّ "الثانويات والمدارس الرسمية بغالبيّتها تشهد إقبالاً شديداً، غير أنّ الضغط الأكبر يكمن في العاصمة بيروت، لا سيّما بعد قرار ترفيع جميع التلاميذ من جرّاء انتشار فيروس كورونا الجديد، ما يعني انعدام القدرة الاستيعابية في العديد منها". ويلفت أحد المسؤولين في ثانوية رسمية إلى أنّه قد تلقّى "طلبات تسجيل لتلاميذ صفّين كاملين قادمين من إحدى الثانويات الخاصة، إضافة إلى 40 طلبا آخر من ثانوية خاصة أخرى"، كاشفاً أنّ "عدداً من أهالي التلاميذ القادمين من التعليم الخاص غير قادرين على دفع قسط المرحلة الثانوية والبالغ 271 ألف ليرة لبنانية (أقل من مائتي دولار بحسب سعر صرف الدولار الرسمي غير المعمول به)". وفي سياق متّصل، تشهد الثانويات والمدارس الخاصة تفاوتاً في نسبة طلب الإفادات من قبل أهالي التلاميذ. وتؤكّد المديرة اللبنانية لمدرسة "ليسيه عبد القادر" هنا السمّاك الكردي، لـ "العربي الجديد"، أنّ "نسبة طلب الإفادات اعتياديّة وغير لافتة. الأهالي الذين يطلبون الإفادات يودّون نقل أبنائهم إلى مدارس خاصّة أقل كلفة وليس إلى مدارس رسمية، على قاعدة أنّ الانتقال يتمّ عادةً بشكل تدريجي".