تلاميذ المغرب في انتظار إقرار إلغاء مجانية التعليم

05 يناير 2018
الصورة
هل يتمكّننَ من متابعة تعليمهنّ؟ (عبد الحق سنا/فرانس برس)
+ الخط -

قضية جوهرية تُطرَح اليوم في المغرب، لا سيّما في الأوساط التربوية والتعليمية. فمشروع القانون الذي تناوله اجتماع المجلس الحكومي الأسبوعي أمس الخميس ليُناقش في البرلمان خلال الأيام المقبلة، ينصّ على إلغاء مجانية التعليم. ويُسجّل جدال بين رافضين له وبين معنيّيين يرون أنّ الأمر أسيء فهمه.

يعود مشروع القانون - الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي في المغرب، والذي يضمّ بنداً ينصّ على إلغاء "مجانية التعليم" في المملكة، إلى الواجهة بعد شروع الحكومة في مناقشته قبل طرحه أمام البرلمان للمصادقة عليه أو رفضه. ويرد في نصّ مشروع القانون - الإطار أنّ "الدولة تواصل مجهودها في تعبئة الموارد وتوفير الوسائل اللازمة لتمويل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتنويع مصادره، ولا سيّما تفعيل التضامن الوطني والقطاعي، من خلال مساهمة جميع الأطراف والشركاء المعنيين، وخصوصاً منهم الأسر الميسورة، والمؤسسات والمقاولات العمومية والقطاع الخاص".

وبحسب المادة 45 من مشروع القانون، فإنّ "الدولة تعمل طبقاً لمبادئ تكافؤ الفرص على إقرار مبدأ المساهمة في تمويل التعليم العالي بصفة تدريجية، من خلال إقرار رسوم للتسجيل بمؤسسات التعليم العالي في مرحلة أولى، وبمؤسسات التعليم الثانوي في مرحلة ثانية، وذلك وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى الدخل والقدرة على الأداء".

ومن المتوقع أن يثير مشروع القانون المتعلق بمجانية التعليم في المدرسة العمومية سجالاً وجدالاً كبيرَين في البلاد، خصوصاً في ما يتعلق بمعيار تحديد الدخل والقدرة على الأداء، ومَن هي الأسر التي سوف تُعفى من الرسوم، ومَن هي التي سوف تسدّدها. فالنص القانوني ما زال "فضفاضاً" في انتظار توضيحات رسمية تحدّد المعنيين بالتسديد والإعفاء.

بهدف تناول هذا الموضوع الحساس، لا بدّ من الحديث بداية عن مبادئ التعليم في المغرب. وهو ما يشرحه الدكتور محمد بولوز، المفتش التربوي السابق وأستاذ التعليم العالي المكوّن في المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين في الرباط حالياً، قائلاً لـ"العربي الجديد" إنّ "الوطنيين في فجر استقلال المغرب أعلنوا أربعة مبادئ للتعليم المغربي ليكون في مستوى طموحات المغاربة وجيل المقاومة والتحرّر من نير الاحتلال الفرنسي، وهي: المغربة والتوحيد والتعريب والمجانية". يضيف أنّه "في حال استثنينا المبدأ الأول المتمثل نسبياً في المغربة، فإنّنا نلاحظ أنّ مسار السياسات التعليمية في المغرب ما بعد الاستقلال، يبدو وكأنّها أخذت على عاتقها محاربة تلك المبادئ والسير بتدرّج ومكر حتى إلغائها والتشطيب عليها". ويشرح بولوز أنّ "التوحيد عملياً أضحى حلماً بعيد المنال. للأغنياء تعليم خاص لأبنائهم في معاهد وبعثات ومدارس داخل المغرب وخارجه. ولعموم الشعب المدرسة العمومية الدنيا. وللفئات المتوسطة كليات ومعاهد عمومية تكاد تكون خاصة بهم، فلا يصل إليها أبناء الفقراء إلا بشقّ الأنفاس وبصورة استثنائية".


يتابع بولوز أنّ "مبدأ التعريب ضاع مذ أوقفت العمل به سياسة مقصودة في مرحلة البكالوريا، ووجد المستفيدون منه صعوبات في التعليم العالي الذي بقي مفرنساً. وقد ترافق ذلك مع غياب تكافؤ الفرص بين هؤلاء وبين الذين جاؤوا من مسارات مفرنسة. وهو الأمر الذي مثّل مرّة أخرى ذريعة للنكوص الذي نشهده اليوم والتراجع الكبير عنه".

أمّا "المبدأ الأخير المتمثل في المجانية"، فقد جرى بحسب ما يؤكد بولوز "الإجهاز عليه، أو بالأحرى على ما تبقى من صوره وأشكاله". ويقول إنّ "القادرين على الإنفاق ينفقون أصلاً بسخاء وبكل إمكاناتهم على أبنائهم من أجل تمدرس أكثر جودة وتأهيل أفضل. والطبقة المتوسطة تستنزفها المدارس الخصوصية في مستويات التعليم الأساسي، ثم تحاول فئات منها تحمّل نفقات التعليم الثانوي الإعدادي، وبصورة أقلّ الثانوي التأهيلي".

ويكمل بولوز أنّه "في التعليم العالي، يُحرم أبناء الطبقة المتوسطة مبدئياً من المنح الدراسية، مع النفقات الباهظة التي تخصّ السكن والتغذية والتنقل وما إلى ذلك، خصوصاً أنّ المعاهد والكليات تقتضي في معظم الأحيان انتقال الطلاب إلى مدن أخرى".

ويتساءل بولوز: "أيّ مجانية تلك التي نتحدث عنها ونريد إلغاءها؟ وهل المقصود من ذلك مزيد من إفقار الفئة الحيوية في المجتمع؟". ويشير إلى "خلل، إذ إنّ الميسور قد يفلت من التسديد في حين قد يُفرض على المتوسّط وحتى على الفقير لاعتبارات غير مفهومة. وهو ما يجري أحياناً في مجال منح الطلاب الجامعية".

من جهته، يقول الخبير التربوي رشيد شاكري لـ"العربي الجديد": "نحن أمام مشروع قانون متعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، في حاجة إلى إقرار على مستوى السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، الأمر الذي يُعَدّ تمريناً سياسياً لاختبار الشعارات التي ترفعها القوى السياسية والفعاليات المدنية".



ويلفت شاكري إلى أنّ "قضية مجانية التعليم التي سوف تسيطر على النقاش العام طيلة مراحل إقرار القانون، موضوع غير مستجد، إذ إنّ الميثاق الوطني للتربية والتكوين يتضمنه منذ عام 1999. وهو يدعو في إحدى مواده إلى تنويع مصادر التمويل لضمان مساهمة المقاولات والأسر الميسورة عن طريق رسوم للتسجيل". يضيف أنّ "ما نلاحظه اليوم على مستوى المجلس الأعلى للتربية والتكوين أو على المستوى الحكومي لا يعدو كونه تنفيذا لبنود الميثاق".

ويوضح شاكري أنّ "ما يتضمّنه مشروع القانون في ما يخصّ عملية إنهاء مجانية التعليم، يشير إلى قيود عدّة منها ضمان استمرارية مجانية التعليم الإلزامي في السلكَين الابتدائي والإعدادي، بالإضافة إلى الحديث عن رسوم تسجيل لا عن أداء (تسديد) شهري، والحرص على إظهار هذه المساهمة كبعد قيميّ باعتباره شكلاً تضامنياً بين الأسر الغنية والفقيرة". ويتحدث شاكري كذلك عن "فرض رسوم التسجيل بالتدرّج على أبناء الأسر الميسورة، وإعفاء أبناء الأسر المعوزة من دفع أيّ رسوم، ثم الالتزام بعدم حرمان أيّ تلميذ من متابعة دراسته بعد التعليم الإلزامي لأسباب مادية".

ويؤكد شاكري أنّ "الإشكال الحقيقي يكمن في ضبابية بعض المفاهيم التي يتضمّنها المشروع، وتحتاج إلى تدقيق في أثناء إقرار المشروع، ومنها رسوم التسجيل. ماذا نعني بالرسوم؟ وما هي قيمتها المالية الدنيا والعليا؟ وما هي المعايير المعتمدة لتحديدها؟ ما المقصود بالأسر الميسورة في مقابل الأسر المعوزة؟ وأين تُصنَّف الطبقة المتوسطة؟". ويقول أنّه "بهدف منح هذا الإجراء بعده التضامني، يجب إعفاء الطبقتَين الفقيرة والمتوسطة من أيّ رسوم، واعتماد نهج التمييز الإيجابي مع أبناء الأسر الميسورة".

إلى ذلك، يشدد شاكري على أنّه "بغضّ النظر عن موضوع إلغاء مجانية التعليم، فإنّه من الضروري الاعتراف بأنّ مشروع القانون المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي يتضمّن إجراءات وتدابير مشجّعة تستحق التنويه".

دلالات