تكنولوجيا البلوكتشين والمشردون

18 ابريل 2018
الصورة
التكنولوجيا الجديدة لتحسين خدمات الهوية للمشردين (Getty)

عرف العالم العملات المشفرة، ومنها بيتكوين، أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009، لكن الشغف الكبير بها كان خلال عام 2017، حين ارتفع سعرها مما يقل عن ألف دولار في بدايته، إلى ما يقرب من عشرين ألف دولار قبل نهايته بأسبوعين، محققاً مكاسب لحائزيها تتجاوز 1900%، الأمر الذي حدا بالكثيرين للتخلي عن حذرهم، ومحاولة الاستفادة منها كاستثمار يجلب أرباحاً طائلة.

لكن العملة المشفرة خذلت عشاقها، وشهدت انخفاضات كبيرة في سعرها خلال الشهور القليلة التي مضت من عام 2018، حيث انخفض سعرها إلى ما دون سبعة آلاف دولار، قبل أن يسترد بعضاً من عافيته ويصل إلى 8300 دولار وقت كتابة هذه السطور.

وخلال الفترة الماضية، تحركت الحكومات والسلطات النقدية في العديد من البلاد، لدراسة وتنظيم التعامل في تلك العملة الرقمية، ووضع الأطر المناسبة له، فكان منهم من حظر التعامل فيها، ومنهم من سمح به ووضع له القوانين المنظمة، ومنهم من حرمه!

لكن الحقيقة التي أجمع الكل عليها، هي أن التكنولوجيا الكامنة وراء نشأة تلك العملات، ويطلق عليها "تكنولوجيا البلوكتشين" Blockchain Technology هي أحد أهم اكتشافات العصر، ويمكنها أن تكون واحدة من الأدوات المستخدمة لمواجهة التحديات البشرية الحقيقية، بطريقة خاصة، وغير تقليدية، وآمنة.

حصلت مدينة أوستن، عاصمة ولاية تكساس الأميركية، ضمن 35 مدينة أخرى، على منحة تجريبية، ضمن برنامج "تحدي عمدة المدينة"، برعاية مؤسسة بلومبرغ للأعمال الخيرية.
ويهدف البرنامج إلى تحفيز المدن المشاركة من أجل الوصول إلى أفضل الابتكارات الحكومية، على أن تحصل المدينة الفائزة على مبلغ 5 ملايين دولار.

وكان مشروع أوستن الذي تحاول التقدم به للمسابقة عبارة عن منصة جديدة، تعمل باستخدام تكنولوجيا البلوكتشين، وتهدف لتحسين خدمات الهوية، لسكانها المشردين تحديداً، الذين بلغ عددهم ألفي مشرد مطلع العام الحالي.

واعتبرت المدينة، ممثلة في عمدتها ستيف أدلر، أن مشكلة الهوية من أهم التحديات الشائكة التي يتعين على الحكومات حلها، خاصة بالنسبة للسكان المهمشين، مثل المشردين أو اللاجئين.

ذلك أن المشرد أو اللاجئ، الذي يفترش في كثير من الأحيان بعض الجرائد، يحتل بها مساحة "متر في مترين" على أي رصيف في منطقة غير مأهولة، يكون معرضاً لسرقة حقيبته، أو لتلف بطاقة رقم الضمان الاجتماعي الخاصة به، وأنه إذا ما ترك مكانه لدقائق قليلة، يبحث فيها عن لقمة يأكلها، أو يقضي حاجة، فقد يعود ليجد الشرطة أو اللصوص قد استولوا على كل ما كان يمتلكه، ومن ثم فإنه يكون أمام طريق طويل وشاق، للعودة مرة أخرى إلى السجلات الحكومية، أملاً في تحسين أحواله بطريقةٍ ما، هو حتماً لا يعرفها، في المستقبل.

واعتبرت حكومة المدينة أن هذا أمر مدمر لهؤلاء، وللآلاف ممن يعدون في طريقهم للتشرد، نظراً لطبيعة المدينة مرتفعة التكاليف، وطبيعة الوظائف التي يمكن فقدها بسهولة. ففقدان المستندات الخاصة بالمشرد يعني استحالة خروجه من دائرة الفقر.

وبذلت أوستن جهداً رائعاً في السنوات الأخيرة من أجل التحول إلى مدينة جاذبة للشركات الناشئة، على غرار وادي السيليكون في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، ونجحت بالفعل في اجتذاب الكثير منها، ومن أصحاب الأعمال ممن يطلق عليهم جيل الألفية الجديدة.

لكن بعد فترة، ومع نمو الأعمال وتوسع الشركات ونزوح أعداد كبيرة إلى المدينة، ارتفعت بصورة كبيرة أسعار المنازل، وهو ما صعّب من مهمة المدينة، التي كانت تهدف لتقليل أعداد المشردين فيها.

ويهدف البرنامج التجريبي الذي تخوض به المدينة المسابقة إلى توحيد الهوية والسجلات الحيوية لكل شخص بلا مأوى، بطريقة آمنة وسرية، مع توفير وسيلة لمقدمي الخدمات للوصول إلى تلك المعلومات.

ولما كانت مشكلة الخصوصية، وجرائم سرقة الهوية نشطة جداً في الولايات المتحدة الأميركية، فقد رأت المدينة أن تكنولوجيا البلوكتشين ستتيح لها التغلب على هذه المشكلة، فهي حتى الآن، ورغم مرور أكثر من 9 سنوات على بدء استخدامها، لم يتم اختراقها ولا مرة.
وتأمل المدينة في أن تحل تكنولوجيا البلوكتشين محل السجلات الورقية، لتكون السجلات الجديدة المعتمدة مشفرة إلكترونياً، وأكثر أماناً، ويمكن الاعتماد عليها بصورة كاملة.

وبالإضافة إلى ذلك، يتوقع مسؤولو المدينة أن يمكن لمنصة البلوكتشين المقترحة إنشاء آلية مصادقة لامركزية للتحقق من هوية شخص معين، بحيث يمكن لعامل النظافة مثلاً، الذي يعمل في منطقة نائية، أن يستخدم تليفونه المحمول لتحقيق هويته، دون اضطراره للحضور إلى المكتب المعني، وواضح ما يوفره ذلك النوع من التكنولوجيا من الوقت والجهد والمال.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن البيانات الموجودة على البلوكتشين تتراكم، لتصبح متاحة ويمكن الرجوع إليها طوال الوقت، كما يمكن الاستفادة منها في العديد من المجالات.

ففي مجال الرعاية الصحية على سبيل المثال، يمكن معرفة الخدمات التي حصل عليها المشرد من قبل باستخدام البلوكتشين، وهو أمر هام جداً، ويساعد في توفير العلاج السليم له، رغم عدم وجود أي مستندات بحوزته.

شيء عظيم اهتمام الدول المتقدمة بالمواطنين، وشيء أعظم اهتمامها بالطبقات الضعيفة. فلا شك في أنهم جزء من نسيج الوطن، مهما قل عددهم. وسواء نجحت تجربة مدينة أوستن أو فشلت، فبالتأكيد ستكون مساهمتها مقدرة في تاريخ استعادة البلوكتشين وتوجيهها في الاتجاه السليم، بعد أن استحوذت عليها فقاعة العملات المشفرة، وصرفتها عن خدمة المجتمعات.

ترتدي البلوكتشين حالياً زياً أكثر سوءاً من أسوأ أزياء المضاربة والمقامرة التي عرفناها على مر التاريخ، كما أنها تمثل تحدياً كبيراً لغير المتخصصين لفهم كيفية عملها، لكن أجمل ما فيها هو إمكانية توجيهها نحو اتجاهات جديدة، تخدم البشرية، وغالباً ما تؤدي إلى زيادة مستويات السعادة الجماعية.

بالفعل، يتحكم الطمع الآن في البلوكتشين، لكنها حتماً تستطيع إنتاج ما هو أفضل بكثير من الثروات.