تكسير صحون

26 يوليو 2020

الصورة الأخيرة الباقية في ذاكرتي عن أبي يجلس في حديقة منزلي في "حيّ البيطرة" بمدينة إدلب في الشمال الغربي من سورية، قبل ساعات من رحلة الرحيل عن إدلب في خريف عام 2016.

كان يتعكَّز علينا وعلى عكَّازه، برحيلنا عن ديارنا صار وحيداً مع عكَّازه الخشبي. فكَّرنا في أن يُرافقنا في رحلة الرحيل تلك - لأنه كان يرتعب من قصف الطائرات - لكن المهرِّب استهجن الأمر، ورفض بشدة أن يُرافقنا هذا "الختيار"، إذ كان في السادسة والثمانين من عمره، وخيراً فعلنا، لأنها كانت بالفعل رحلة شاقة لا يمكنه الصمود أمام عثرات طريقها ووعورة مسالكها وطول دربها. كان يوماً أطول من قرن، على حدِّ تعبير الكاتب القرغيزي جنكيز أيتماتوف، في روايته "ويطول اليوم أكثر من قرن". لذلك، بقي في منزله مع مَن بقي من أخوتي وأخواتي.

في ذلك المساء الخريفي الحزين قبل الرحيل بيوم واحد، قلتُ لأبي: اليوم أنهيت قراءة رواية "زمن الخيول البيضاء" للشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، وفيها تحدث عن واحدة من عادات مؤدبة، ولكنها مكلفة، والتي يُعلن فيها الشباب، في كثير من قرى منطقة بحيرة طبريا في شمال فلسطين زمن الخيول البيضاء، أنهم لم يعودوا قادرين على احتمال العزوبية أكثر مما احتملوها، فيلجؤون إلى حيلة تكسير صحون البلور الصيني في مطابخ أمهاتهم.

لكنهم لم يعودوا أبداً إلى فلسطين. عاشوا بيننا، تزوج شبابهم، خلفوا، ثمَّ تزوج أحفادهم، وبقيت مفاتيح بيوتهم في فلسطين معهم ذكرى لأولادهم

حيث نُصادف بطل الرواية عمر في مطبخ البيت يمسك أحد الصحون ويكسره، تسمع أمه تهشُّم الصحن، فتقول: انكسر الشر. أمسك بالثاني وكسره. فقالت أمه: انكسر الشر كمان مرة. والتفتت إليه تسأله: ما بك هذا اليوم؟ وقبل أن تتم سؤالها، كان واحدٌ آخر من عدة صحون صينية مُورَّدة يتناثر شظايا على الأرض. رأته يرفع صحناً جديداً، فصرخت: الحق يا حاج ابنك قبل أن يُكسِّر لنا البيت.

قال أبي: سأحكي لك عن واقعة حدثت أمامي عندما كنتُ شاباً في شتاء عام 1948، وفيها الكثير من صحون البلور المكسَّرة. كنا أمام البيدر الذي يقع غرب القشلة العسكرية التي تركتها فرنسا لنا بعد رحيلها عن المدينة، ثم أُزيلت في نهاية سبعينيات القرن العشرين، وبُني مكانها مبنى محافظة إدلب. كنا نتصيد شمس الشتاء في المدخل القبلي لزقاق حمام الميري، وأهلنا من الرجال يجلسون على سطح معصرة الزيتون يتشمسون تحت شمس عصر ذلك اليوم. فجأة، سمعنا هدير محركات ثلاث شاحنات تسير خلف بعضها وتدخل ساحة البيدر الفسيحة وتصطف على نسق واحد، وحين توقفت محركاتها عن الهدير، بدأ الرجال يتساقطون من صناديق تلك الشاحنات إلى الأرض، والنساء ينزلن على مهل من سلالم حديد معلقة في خواصر الشاحنات.

كنا نتفرج من بعيد على هذا المشهد الغريب والجديد على بلدة إدلب الصغيرة تلك الأيام. مَن هؤلاء؟ هل هم غجر؟ ومن أين جاؤوا؟ وهل سيحطون رحالهم على بيدرنا؟ أسئلة كثيرة راودتنا، وزاد فضولنا حين سمعناهم يتخاطبون بلهجة غريبة لم نسمعها من قبل. هؤلاء عرب، لكنّ لهجتهم غير مألوفة. ثمَّ راحوا يفرغون الشاحنات من أغراض غريبة هي الأخرى، فرش صوف، لحف، صناديق خشبية مغلقة، مواعين طبيخ، جرار ماء. رمى أحد الرجال صندوقاً خشبياً على الأرض، فسمعنا صوت تكسير صحون البلور، ومن ثمّ سمعنا عويل امرأة شابة، ففهمنا أن الأمر حدث بالخطأ، فقد ظنَّ الرجل أن في الصندوق برتقالاً أحضروه معهم من يافا.

بعد فترة قصيرة من دخول الشاحنات ساحة بيدرنا، صاح أهلنا من الرجال: يا شباب، ليذهب أحدكم ويستطلع الأمر. ذهبنا إليهم، وكانت المفاجأة الكبرى. تبيَّن أن هؤلاء عائلات عربية من أهل فلسطين، هجَّرهم اليهود من ديارهم، وها هم هُنا في بلدة إدلب الصغيرة في الشمال السوري لا يعرفون أحداً، ولا يعرفهم أحد. كانت مفاتيح بيوتهم في فلسطين معهم، وها هي معهم إلى اليوم، بعد أكثر من سبعين عاماً من تشردهم في بلاد الله الواسعة.

قالوا لنا يومها: نحن ضيوف عندكم.كم يوم، ونعود إلى بيوتنا وبيارات برتقالنا في فلسطين. ستعود هذه الشاحنات عمَّا قريب لتعيدنا إلى بيوتنا. ولكنهم لم يعودوا قَطّ إلى فلسطين. عاشوا بيننا، تزوج شبابهم، خلّفوا، ثمَّ تزوج أحفادهم، وبقيت مفاتيح بيوتهم في فلسطين معهم ذكرى لأولادهم. وما زال أولادهم في انتظار تلك الشاحنات الفلسطينية التي ستعود عمَّا قريب وتأخذهم إلى ديارهم.