تكريم النموذج التونسي

تكريم النموذج التونسي

14 أكتوبر 2015
الصورة
+ الخط -
هذه المرّة، يأتي الاعتراف بالنموذج التونسي من واحدةٍ من أرقى الجوائز العالمية، عندما منحت الأكاديمية النرويجية جائزة نوبل للسلام لعام 2015 للرباعي الراعي للحوار في تونس، وهي منظمات قامت بدور الوساطة في عملية الانتقال الديمقراطي في بلد ثورة الياسمين. وبررت اختيارها نظراً لما وصفته بـ "مساهمة هذا الرباعي الحاسمة في بناء ديمقراطية متعددة بعد ثورة الياسمين في عام 2011". والمنظمات هي، الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
جاءت الجائزة في وقتها اعترافاً عالمياً بالمسار الديمقراطي التونسي الذي سبق أن أشاد به الجميع، فهو يعطينا الأمل على أن الديمقراطية ممكنة في عالمنا العربي. وأن الخيار الديمقراطي ممكن، على الرغم من كل الصعوبات والعراقيل التي تواجهه، خصوصاً الإرهاب والتطرف والعنف. ويعود الفضل، بشكل كبير، في نجاح ما يمكن أن نسميه، اليوم، النموذج الديمقراطي التونسي وبزوغه، إلى الدور الحاسم الذي لعبه المجتمع المدني التونسي، وفي قلبه وفي مقدمته رباعية الحوار، في أوقات حساسة من مراحل الانتقال الديمقراطي، وهو دور مازال يلعبه، لأن تونس في مرحلة انتقال ديمقراطي.
وقد برز دور المجتمع المدني التونسي في مراحل حرجة وصعبة منقذاً عندما وصل الأمر إلى حالة الصدام بين الإسلاميين الممثلين في حركة النهضة والدولة العميقة التونسية. وعن أهمية هذا الدور، علقت جريدة ليبيراسيون الفرنسية على نيل رباعية الحوار التونسي جائزة نوبل، إن "الجائزة كافأت الطريق الممكن، وحسناً فعلت: فالنخبة في العالم العربي محتاجة إلى أن تستعيد الثقة في نفسها، ومحتاجة إلى من يحيّيها ويقدرها. فالحوار يكون ممكناً عندما يقوده المجتمع المدني، وليس عندما يتحول إلى مسار للتوافق بين الإسلاميين والأنظمة". وختمت الصحيفة الفرنسية افتتاحيتها بـ"أن تكون تونسياً لم يعد اليوم مجرد جنسية وحسب، بل صار رمزاً لتطور إيجابي بالنسبة لنا جميعاً".
وبالفعل، ما كان ليكتب للتجربة التونسية النجاح، لولا الدور الكبير الذي لعبه المجتمع المدني التونسي، بكل منظماته وأطيافه السياسية. فمنذ قيام الثورة التونسية، برز على السطح دور منظمات مدنية عديدة نصبت نفسها حارساً أميناً على مبادئ الثورة ضد كل الانحرافات التي كانت تتهدد المسار الديمقراطي، وحمت مكتسبات المجتمع التونسي في مجال الحريات والحقوق، خصوصاً المتعلقة بالمرأة، وتحولت إلى مجموعات ضغط أجبرت الفرقاء السياسيين على الجلوس إلى الطاولة نفسها، وتقديم التنازلات المتبادلة. وفي كل الاستحقاقات التي شهدتها تونس منذ عام 2011، تحولت منظمات المجتمع المدني إلى مراقبين لضمان نزاهة العمليات الانتخابية وشفافيتها.
ومن قلب هذا المجتمع النابض، انبثق رباعي الحوار الذي قادته بامتياز نقابة "الاتحاد العام
للشغل التونسي"، التي ظلت الحارس الأمين لمبادئ الثورة، والضامن لاستمرار مسارها، والحكم بين الفاعلين السياسيين داخل هذا المسار. هذا الدور الكبير لهذه المركزية النقابية ليس وليد اللحظة، وإنما هو نتيجة للتراكمات التاريخية للعمل النقابي التونسي حتى ما قبل الاستقلال. فالدور التاريخي والحاسم الذي لعبه هذا الاتحاد يأتي ليؤكد قوة التنظيمات النقابية وفعاليتها، عندما تكون موحدة ومستقلة، ولا تخلط العمل النقابي بالنشاط السياسي.
التكريم الذي حظي به رباعي الحوار في تونس تكريم للمجتمع المدني التونسي، وهذا ليس وليد ثورة الياسمين، وإنما هو امتداد لتاريخ الحركة الوطنية التونسية التي قادتها نخبة تونسية مثقفة، حتى قبل استقلال تونس منتصف القرن الماضي. فقد كان لهذا المجتمع المدني دور كبير في مواجهة استبداد النظام السابق، ولعبت منظمات نسوية وحقوقية وناشطون مستقلون دوراً مهماً في متابعة التجاوزات والانتهاكات التي كانت ترتكب في العهد السابق، لكن دور هذا المجتمع سيبرز بقوة بعد الثورة، عندما تكونت هيئات مدنية، هدفها حماية الثورة والدفاع عن شعاراتها، وتحولت منظمات نقابية وحقوقية إلى لعب دور الوساطة بين الفرقاء السياسيين.
وهج هذه الجائزة، وهي، في نهاية المطاف، تكريم لشجاعة الشعب التونسي الذي فجر ثورة الياسمين، وأثبت لنا أن طريق الديمقراطية ممكن في العالم العربي، لا يجب أن يحجب عن الضوء أدواراً لا تقل أهمية عن دور المجتمع المدني التونسي في قيادة الثورة وحمايتها، وفي مقدمتها الدور الكبير والحاسم الذي لعبته مؤسسة الجيش، منذ أول أيام الثورة، عندما قررت الاصطفاف إلى جانب الشعب لحماية ثورته، ورافقتها في جميع مرحلها الانتقالية، لضمان سلامة عمليتها الانتخابية. وعندما تصدّت للإرهاب الذي مازال يحاول تلغيمها وتفجيرها من الداخل. وقد جسّد هذا الدور رئيس الأركان (السابق) الجنرال رشيد عمّار، الذي قدم نموذجاً للقائد العسكري العربي الذي وقف بشجاعة أمام مقر الحكومة في القصبة في تونس العاصمة، في عز الثورة عام 2011، وطمأن الجمهور الثائر أن الجيش سيحمي ثورة الشعب. وتجسد أكثر الدور الكبير لهذا الجنرال، المتواري عن الأضواء، عندما زهد في إغراءات السلطة وامتيازات المنصب، وأعلن عن تقاعده طواعية، وتراجع إلى الخلف في هدوء، مثل كل صناع التاريخ الكبار.
والدور الآخر الذي لا يقل أهمية عن الأدوار الأخرى، هو الذي جسدته بامتياز "براغماتية" مواقف حركة النهضة التي قبلت تقديم التنازلات، وأظهرت مرونة كبيرة في التعاطي مع لحظات حرجة عبرها مسار المرحلة الانتقالية بصعوبة. ويعود الفضل في هذه المواقف إلى الكاريزما التي يتمتع بها زعيم الحركة، راشد الغنوشي، لدى أتباعه، عندما نجح في أن يضغط على الجناح الراديكالي داخل حركته، لقبول تقديم التنازلات المطلوبة في الوقت المطلوب، من دون أن يفقد ذلك الكثير من رصيد هذه الحركة المتجذرة في عمق المجتمع التونسي.
كل هذه الأدوار مجتمعة هي التي أعطتنا، اليوم، ما يمكن أن نصفه النموذج التونسي، وهو حي قريب منا، وما زال يذكّرنا، أن طريق الديمقراطية ممكن في صحراء العالم العربي، على الرغم من كل الصعاب التي تتخبط فيها أكثر من دولة عربية.