تكريد التعليم.. صراع قومي في مدارس شمال سورية

13 سبتمبر 2016
الصورة
في إحدى مدارس القامشلي (دليل سليمان/ فرانس برس)

يطاول صراع قوميّ سياسيّ المدارس ومناهج التعليم في كلّ من مدينتي الحسكة والقامشلي السوريتَين، الأمر الذي يؤثّر سلباً على التلاميذ هناك وكذلك على المدرّسين ويهدّد العملية التعليمية برمّتها.

للسنة الثالثة على التوالي، يجد التلاميذ السوريون في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية الكردية، أنفسهم تائهين بين النظام السوري من جهة والإدارة الذاتية من جهة أخرى، اللذين يتشاركان السيطرة إدارياً على هذه المناطق التي تشمل محافظة الحسكة شمال شرق سورية بالإضافة إلى مدينتَي عفرين (حلب) وعين العرب (الرقة) ومدن أخرى. كلا الطرفَين يسعيان إلى فرض مناهج تتلاءم مع توجهات كلّ منهما في المدارس التي يسيطر عليها.

تلزم الإدارة الذاتية الكردية التلاميذ بتعلم اللغة الكردية في المدارس، فيما يمنع النظام ذلك ويعمد إلى إغلاق المدارس التي تخالف تعليماته. هذا الصراع أنتج حالة كبيرة من الفوضى في المدارس المعنية، تسبب في إغلاق بعضها وعدم استقرار في أخرى بالإضافة إلى هجرة مدرّسين كثيرين.

رودي الكردي ناشط في مدينة الحسكة، يقول: "بعدما فرضت الإدارة الذاتية الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي العام الماضي تغييرات جزئية على مناهج وزارة التربية في مناطق سيطرتها، تعتزم طباعة مناهج جديدة لكل مراحل التعليم مع بداية العام الدراسي المقبل والذي ينطلق في التاسع عشر من سبتمبر/ أيلول الجاري". يضيف أنّ "أهالي التلاميذ الأكراد ينظرون إلى المنهاج الجديدة بريبة، ويتخوّفون من حرمان أبنائهم من القدرة على الدراسة في الجامعات السورية في المحافظات الأخرى، خصوصاً أنّه ليس من السهل إنشاء جامعات تتمتع بكفاءة علمية في فترة قصيرة".

وكانت الحالة الأمنية المتردية في مدن عدّة، قد منعت عدداً كبيراً من التلاميذ العرب والأكراد من الالتحاق بالمدارس. فيشير محمد، وهو مدرّس في مدينة عامودا التابعة لمحافظة الحسكة، إلى أنّ "حملة الاعتقالات التي تنفذها قوات الشرطة العسكرية التابعة للإدارة الذاتية بالإضافة إلى الاشتباكات والقصف والتجنيد الإجباري، كلها تسببت في انخفاض كبير في عدد تلاميذ الثانوية العامة وتلاميذ الشهادة الثانوية الذين التحقوا بصفوفهم في العام الماضي، بالمقارنة مع الأعوام السابقة. ومع تدهور الأوضاع الأمنية أكثر، نتوقّع أعداداً أقل هذا العام". يضيف: "للأسف بات حلم التلاميذ الوحيد هو الهروب من التجنيد وبلوغ أوروبا بدلاً من حلم متابعة الدراسة الجامعية وبناء الوطن".

مناهج كردية

في العام الماضي، فرضت الإدارة الذاتية مناهج جديدة باللغة الكردية لعدد من المواد مثل العلوم والرياضيات، من الصف الأول ابتدائي وحتى الثالث. وهو ما دفع النظام حينها إلى إغلاق بعض المدارس التي يديرها، وطالب المدرّسين الذين يتقاضون رواتب منه بألا يدرّسوا فيها.

ويوضح أبو حسين، وهو مدرّس في المرحلة الابتدائية في عامودا، أنّ "الإدارة الذاتية أضافت كذلك تدريس اللغة الكردية من الصف الأول حتى الصف السادس، وأصدرت قراراً توجيهياً للمدارس بمنع اللغة العربية". يضيف: "للأسف الكوادر الجديدة الذين عيّنتهم الإدارة الذاتية والذين يملكون المؤهلات الكافية، بعضهم حاصل على شهادة الإعدادية والبعض الآخر يحملون الابتدائية فقط".

لم تكن المناهج التعليمية الضحية الوحيدة لهذه التغييرات، إذ لم يعد التلاميذ ينشدون النشيد الوطني السوري في كلّ مدارس القامشلي، وفرض النشيد الكردستاني "رقيب" في الأحياء الكردية من المدينة. أمّا المدارس الواقعة في الأحياء العربية، فلا تعتمد أيّ نشيد".

وعن ردّ فعل الأهالي الأكراد حول التغيّرات الجديدة، يوضح الكردي أنّهم "ليسوا ضد التدريس باللغة الكردية، ويجدون فيها فرصة ليتعلم أبناؤهم لغتهم الأصلية، لكنّهم يريدونها أن تكون إلى جانب اللغة العربية. في السابق، كانوا يتعلمون العربية ويُمنعون من الكردية، أمّا اليوم فالعكس تماماً".

ويشير الكردي إلى معاناة التلاميذ في الصف الأول ابتدائي المتعلقة بعدم توازن المنهاج الكردي وحجمه الكبير. إلى ذلك، وقبيل انطلاق العام الدراسي الجديد بعد أيام، يشتكي المدرّسون والتلاميذ في هذه المناطق، وفي مدينة الحسكة خصوصاً، من عدم توفّر الكتب المدرسية التابعة لوزارة التربية والتعليم. فهي لا تصل إلى هذه المدن بسبب الاشتباكات على الطرقات المؤدية إليها وسيطرة تنظيم "داعش" على معظمها. ويقول أبو محمود، وهو مدرّس في مدينة الحسكة: "قيل لنا إنّ ثمّة اتفاقاً مع اليونيسف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) ومنظمات أخرى تابعة للأمم المتحدة، لإدخال الكتب المدرسية. لكنّنا لم نرَ أيّ نتائج حتى اليوم".




ابتزاز المدرّسين

لم يسلم المدرّسون بدورهم من الصراع القائم، خصوصاً أنّ منهم من لا يزال يتقاضى راتبه من حكومة النظام، فيما يحصل المدرّسون الآخرون الجدد باللغة الكردية على رواتبهم من الإدارة الكردية. وقد فرض كلّ من الطرفين على المدرّسين، الالتحاق بدورات خاصة به.

ويوضح الكردي أنّ "الإدارة الذاتية تعمد إلى تعيين المدرّسين التابعين لها وقد تسلّمهم إدارة المدارس بعد إلحاقهم بدورة تدريبية تتراوح مدّتها بين ستة أشهر وسنة، على الرغم من أنّ عدداً كبيراً منهم لا يحمل إلا الشهادة الابتدائية. أمّا النظام، فيفرض دورة الدفاع الذاتي على الموظفين التابعين له، ومن بينهم المدرّسون. وقد هدّد كلّ موظف لا يلتحق بها خلال العام المقبل بقطع راتبه". وهذه الدورة بحسب ما يشرح الكردي، "عسكرية تهدف إلى تأسيس ميليشيات رديفة لقوات النظام في المناطق الكردية. وقد خرّجت ما يعرف بفوج المدفعية وفوج طرطب". يضيف أنّ "عدداً قليلاً جداً من الموظفين التحق بهذه الدورة، من الموالين للنظام، تسعة مثلاً في مدينة عامودا".

ويستخدم النظام ورقة الرواتب لابتزاز المدرّسين وحملهم على تنفيذ تعليماته التي تتعارض مع تعليمات القوات الكردية التي تسيطر فعلياً على المدارس، وهو ما يجعل المدرّسين في حالة خوف دائمة. ويشير أبو محمود إلى "خوف المدرّسين، عرباً وأكراداً، من قطع مديرية التربية في الحسكة رواتبهم التي تُعدّ مصدر رزقهم الوحيد، خصوصاً أنّ كثيرين منهم لم تُصرف رواتبهم لمدة طويلة". يتابع أنّ "50 ألف موظف في محافظة الحسكة، من بينهم مدرّسون، باتوا يشتكون من تأخّر الرواتب، وهم يتخوّفون من تكرر تجربة نظرائهم في مدينة عفرين. فقد طلبت منهم حكومة النظام الالتحاق بمحافظة أخرى للحفاظ على وظائفهم".

كمال مدرّس في مدينة عامودا، يقول إنّ "مديري المدارس في المدينة يقعون تحت ضغط الإدارة الكردية لتدريس المنهاج الكردي في مدارسهم، ولدى مراجعتهم المجمع التربوي ومديرية التربية في الحسكة، أبلغوا بأنّ لا علاقة للمديرية إلا بمن يدرّسون منهاج وزارة التربية السورية". ويشير إلى أنّ "مكتب حركة اللغة الكردية والتدريب التابع لحزب الاتحاد الديمقراطي في المجمع التربوي في المدينة، لم يعر أيّ اهتمام ذلك الكلام، وبدأ في العام الدراسي الماضي 2015 - 2016 بتخصيص 16 حصة دراسية للغة الكردية خلال الأسبوع، لتلاميذ الصف الأول ابتدائي (من التعليم الأساسي). وسوف يطبّق في العام الدراسي المقبل، قرار الإدارة الذاتية بإدخال اللغة الكردية من الصف الأول حتى السادس ومن الصف السادس حتى التاسع".

وقد تسبّب كلّ ذلك في هجرة مدرّسين إلى مدن أخرى، وبالتالي في نقص كبير في الكادر التعليمي في مناطق الإدارة الذاتية. ومما يفاقم هذا النقص، هو عدم تعيين خريجي الجامعات الجدد من قبل حكومة النظام، لأنّ كثيرين لم يسرَّحوا بعد إنهاء خدمتهم في جيش النظام، فيما يرفض آخرون الالتحاق بها. فدفع هذا النقص مديرية التربية في حكومة النظام أخيراً، إلى تعيين نحو 20 ألف مدرّس من حملة الشهادة الثانوية فقط.

تجدر الإشارة إلى أنّ الاشتباكات التي وقعت أخيراً بين مليشيات النظام والمليشيات الكردية التابعة للإدارة الذاتية في الحسكة، تسببت في إغلاق كلّ المقرّات الرسمية في جنوب المدينة بعدما أصبحت تحت سيطرة الوحدات الكردية. وقد أقدمت الأخيرة على طرد الموظفين وسرقة محتويات تلك المقرّات، بما فيها الكليات الجامعية. وكشفت مصادر مقربة من النظام السوري عن نيّة الحكومة السورية حلّ فرع جامعة الفرات ونقل جميع طلابه إلى محافظات أخرى، والتوقّف عن إصدار كلّ الوثائق الرسمية الخاصة بمديرية الأحوال المدنية.

تعليق: