تكثيف الهجمات الجوية على سيناء: تحضير لمعركة برية؟

24 مايو 2020
الصورة
يشنّ الجيش المصري غارات على سيناء منذ أيام(رحيم خطيب/الأناضول)
يكاد الطيران الحربي المصري لا يغادر أجواء محافظة شمال سيناء شرقي البلاد، حتى يعود إليها من جديد، إذ يشنّ منذ أيام سلسلة من الغارات، ضمن هجمة جوية تكاد تفوق تلك التي قام بها الجيش المصري عند بدء العملية العسكرية الشاملة، أكبر عملية عسكرية في تاريخ مكافحة الإرهاب في سيناء، والتي بدأت في فبراير/شباط 2018. في حين أنّ المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية لم يعلن عن أهداف الغارات ونتائجها، والتي تأتي قبيل عيد الفطر، الذي لطالما كان موعداً لهجمات دموية لتنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش". كذلك تأتي الغارات بالتزامن مع الحديث عن معركة قريبة بين التنظيم وبعض القبائل في المحافظة، يجري التحضير لها منذ أسابيع.

وفي تفاصيل المشهد، أفادت مصادر قبلية وشهود عيان لـ"العربي الجديد"، بأنه منذ أيام عدة، يواصل الطيران الحربي المصري شنّ غارات وقد بلغ عددها أكثر من 120 غارة على مناطق محافظة شمال سيناء كافة، بدءاً برفح، مروراً بالشيخ زويد والعريش وانتهاءً بمدينة بئر العبد، وكانت غالبيتها باستخدام الطيران الحربي، بالإضافة إلى الطائرات المسيرة. وقد هزّ دوي الانفجارات المحافظة بشكل كامل على مدار الأسبوع الأخير من رمضان، علماً أنّ الهجمات الجوية استهدفت في غالبيتها مناطق كثبان رملية ومنازل مهجورة، ومزارع خالية من العاملين أو السكان. في حين نفّذ التنظيم هجمات ضدّ قوات الجيش، أدّت إلى وقوع خسائر بشرية ومادية في مدينتي رفح والشيخ زويد.

وأوضحت المصادر ذاتها أنّ القصف الجوي استهدف مناطق بلعا والمقاطعة ونجع شيبانة وأبو شنار والمهدية والظهير برفح، والليفتات وأبو طويلة بالشيخ زويد، ومناطق واسعة من أطراف مدينتي العريش وبئر العبد خصوصاً منطقتي الميدان والغريب. من جهتها كشفت مصادر قبلية أخرى، وفي مقدمتها رئيس اتحاد قبائل سيناء الشيخ إبراهيم المنيعي، أنّ الصواريخ التي جرى قصف سيناء بها أخيراً، هي صواريخ جديدة لا تعرف ماهيتها، وتستخدم للمرة الأولى، وفقاً لروايات السكان، وطبيعة الآثار التي تركها القصف الجوي على المناطق المستهدفة، حيث لم تكن كما جرت العادة في كل مرة. وأكدت المصادر جميعها أنّ طيراناً إسرائيلياً شارك في الهجمة الجوية الأخيرة، خصوصاً على مناطق رفح والشيخ زويد، باستخدام طائرات حربية بدون طيار، فضلاً عن طيران حربي دخل إلى سيناء من البحر ومناطق النقب جنوب فلسطين المحتلة.

يشار إلى أنّ تنظيم "ولاية سيناء" شنّ خلال شهري إبريل/نيسان الماضي ومايو/أيار الحالي، سلسلة هجمات دموية ضدّ قوات الجيش المصري في سيناء، أدت لمقتل وإصابة العشرات، بالإضافة إلى تدمير عدد من الآليات، فيما ردّ الجيش بالقصف الجوي. كذلك، شنّ التنظيم هجوماً واسعاً على من سماهم المتعاونين مع الأمن المصري، في حملة هي الكبرى منذ سنوات، قتل خلالها أكثر من 10 مواطنين، بالإضافة إلى جرح واختطاف آخرين، فضلاً عن استهداف المتعاونين من خلال مصادر رزقهم، واقتحام مناطق سكنهم، في الوقت الذي بدأت فيه بعض القبائل والمشايخ والأفراد المتعاونين مع الأمن المصري التحضير لمعركة مع التنظيم بعد انقضاء عيد الفطر.

وتعقيباً على ذلك، قال باحث في شؤون سيناء، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الهجمة الجوية التي ينفذها سلاح الجو المصري في هذا التوقيت تأتي في سياقين: أولهما الضربة الاستباقية لأي هجوم قد يتجرأ التنظيم على تنفيذه خلال العيد كما جرت العادة في أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، وهذا غالباً ما يؤثر بشكل ملموس على النظام المصري خلال فترة العيد، ويعطي انطباعاً سيئاً عن مدى سيطرة الجيش على سيناء. ويهدف التنظيم إلى إيذاء الجيش المصري بشكل قاس من خلال هجمات دموية كالتي جرت في بئر العبد خلال بداية شهر رمضان وأسفرت عن مقتل عشرة عسكريين، بالإضافة إلى هجمات أخرى قد يفكر بها في العيد على غرار ما حصل في سنوات سابقة وخصوصاً العام الماضي في مدينة العريش بالقضاء على كمين عسكري بالكامل جنوب المدينة وقتل وإصابة جميع من كان فيه. وهذا السيناريو الذي تتوقعه أجهزة الأمن المصرية، ويسعى إليه التنظيم".

وعن السياق الثاني، رأى الباحث أنّ "للمعركة المرتقبة بين القبائل والتنظيم نصيباً من توقعات أسباب هذه الهجمة الجوية المفاجئة والمكثفة، في ظلّ الدخول بمرحلة التنفيذ بحلول العيد، وهو الموعد الذي حددته القبائل لبدء المعركة بالتنسيق مع الأمن المصري ومخابراته، وقد تمت ملاحظة التحشيد والتحضيرات على مدار الأسابيع الماضية، لانطلاق المعركة". وأوضح الباحث أنّ "التحضيرات شملت جمع معلومات عن تحركات التنظيم في مدن المحافظة، قد يكون الجيش استفاد منها في شنّ الغارات أخيراً، بما يمهد الأرض لتحرك المجموعات المدنية العاملة مع الأمن بعد العيد. وبالتالي فإنّ الأيام القليلة المقبلة ستظهر نتائج الغارات الجوية وأهداف الجيش المصري من ورائها، في حين أنه سيكون للتنظيم رده على هذه الغارات بالتأكيد، لينفي تعرضه للأذى نتيجتها، وهذا ما حصل بشكل جزئي من خلال تسجيل بعض الهجمات للتنظيم خلال فترة الغارات بمدينتي رفح والشيخ زويد".

وبالتزامن مع النشاط الجوي المصري في سيناء، كانت لوزارة الداخلية المصرية رغبة في تسجيل نشاط يعطيها جزءاً من الإنجاز في حال تحقيقه من وراء الهجمة الجوية المكثفة، وهذا ما كان من خلال الإعلان أمس، أي قبيل العيد بيوم، عن "قتل 21 إرهابياً في مداهمتين أمنيتين في مدينتي بئر العبد والعريش"، وهو غالباً ما يكون عملاً لتصفية مختفين قسرياً أو معتقلين كما جرت العادة، في سيناء. ولا يكون لتلك التصفيات أي مردود إيجابي في تحسين الوضع الأمني في المحافظة، خصوصاً أنّ تنظيم "ولاية سيناء" نفى في شهر رمضان تعرض أي من أفراده للإصابة على يد الداخلية المصرية التي كانت قد أعلنت "مقتل عدد من التكفيريين في مداهمة أمنية في مدينة بئر العبد"، في أعقاب هجوم على قوات الجيش جنوب المدينة بتفجير آلية وقتل وإصابة من فيها في وقت سابق.